ثمّة فتيات منعتهن التقاليد من متابعة تعليمهن خوفاً من السكن والعلاقات المحرّمة. وفي بعض الأعراف القرويّة، الأنثى ممنوعة من المدينة. بالنسبة إلى الأهل، اطلبي العلم، لكن، ليس في بيروت!


زينب صالح
كان على سحر، التي تبلغ التاسعة عشرة من عمرها، أن تسافر مع أهلها إلى الكويت بدلاً من أن تلتحق باختصاصها الذي تريده. هكذا، سافرت، إلى الخليج البعيد، ولم ترَ بيروت. لم تدرس إدارة الأعمال «لإنو ما عنّا بنات تقعد وحدها ببيروت»، كما قال لها شقيقها الشاب. الشقيق، المحافظ فوق المعقول، الذي يرى أن «بنات المدينة فلتانين، وبيصاحبوا شباب». يخاف على شقيقته من «المصاحبة». وما أدراك ما «المصاحبة». الأمر خطير. لا شيء يدعو إلى الاستغراب، فسحر موافقة. اعتراضها في مكان آخر. تشرح: «يخاف إخوتي من أن أصبح كالفتيات اللواتي يعرفونهن، رغم أنهم يثقون بتربيتي جيداً». إذاً، إخوتها، يعرفون نمطاً آخر من الفتيات، غير مشبع بالأفكار المحافظة التي نشأت عليها أختهن. وطبعاً، يحق لأشقائها، ما لا يحق لها. وللمناسبة، قصة سحر ليست غريبة بين قريناتها في قرى الجنوب والبقاع، ممن التقتهنّ «الأخبار». هؤلاء سردن معاناتهن طالبات عدم ذكر أسماء قراهن تفادياً لسطوة المجتمع.
كانت هيفاء ترغب في دراسة الصحافة في كلية الإعلام، لكنها واجهت المشكلة ذاتها. منطقياً، المشكلة بالنسبة إلى المحافظين، لا تكمن في طبيعة الاختصاصات بحد ذاتها. تستفيض هيفاء، في شرح مشكلتها: «ما فيه فرع للكلية بمطرح قريب من الضيعة». المسافة ضرورية وأساسية، قالت والدتها مبرّرة عدم التحاق ابنتها باختصاص حلمت به منذ الصغر. يجب على هيفاء أن تبقى في المحيط. بالنسبة إلى الوالدة، كان على هيفاء أن تنتسب إلى الجامعة، «وأن تدرس بالبيت قدّامنا»، كما تضيف الوالدة. حتى الدرس بحاجة إلى رقيب. والأمر، غير متعلق بوضع اقتصادي، ولا بخوف على «فلتان البنت»، بل «لإنو الناس بتحكي، وبتقول، «قاعدي ببيروت». المشكلة القديمة ـــــ الجديدة ما زالت موجودة. الناس هنا يدخلون إلى المجتمع كجماعات، لا كأفراد، معزّزين بالمسافة الشاسعة بين الريف والمدينة. وفي الشق الأكاديمي، الضحية الأسهل، في هذه المعمعة، هي الفتاة. أحياناً، تكون «جناية» الفتاة، أنها تعيش في المدينة بالقرب من مكان دراستها أو عملها، فتكون عندها عرضة للكلام الذي لا يستثني اتهامها بممارسة أعمال غير أخلاقية، ويشوّه سمعتها. يحدث هذا في لبنان. والبعض يتأثرون به للأسف. هذا ما حصل مع راغدة (اسم مستعار)، التي تلقّت الكثير من الكلام من أبناء قريتها. «غادرت القرية في فترة الاحتلال، طلباً للعلم والعمل، لأن وضعنا الاقتصادي كان تعيساً جداً. أثناء الدّراسة، عملت في مصنع لتصنيع الشوكولاتة، وبعدما أنهيت دراستي، أصبحت ممرّضة. ساعدت إخوتي في تحصيلهم العلمي، واستقررت في عملي، لكنّ كلام أهل القرية لم يرحمني، فقط لأنني «بنت بيروت». القصة حقيقية. هربت راغدة من الاحتلال، وعملت بجد. لم تلقَ الاحترام. طاولت الشائعات سمعتها. فالسؤال الدائم والجاهز: «شو عم تسوّي ببيروت؟». بيروت، محطة بعيدة، للقرويين المتعلقين بأنماط حياتهم. والسؤال عن مغريات العاصمة، بديهي لدى الكثير من أهالي القرية، عند علمهم بأنّ إحدى الفتيات تسكن في العاصمة.
الدّراسة ليست عذراً كافياً لكثيرين من أهل القرى. لا تبرر سكن الفتاة وحدها، فهي يجب أن تخضع دائماً للإشراف، وإن «نجت» فإن «المهلة الاجتماعية» لا تتخطى الثلاث سنوات، أي مهلة كافية للحصول على إجازة. هكذا، كان على سهى أن تكتفي بتحصيل شهادة الـ LMD والتعليم في مدرسة القرية الخاصة. الطموح ممنوع هو الآخر. «ما في داعي للماستر، آخرتها على بيت زوجها، ما عنا بنات تقعد ببيروت»، هكذا زرع شقيقها الفكرة في رأس الوالد،


«ما في داعي للماستر، آخرتها على بيت زوجها»
الذي خاف على ابنته «من أن تندمج في جوّ المدينة، وألّا تحبّ العودة إلى القرية»، كما تقول الفتاة التي لا تستطيع التحكم في قراراتها، «لإنّو بابا عقلو صعب، ومش مقتنع». حسم «البابا» الموضوع. لا يكفي أن تقتنع الفتاة بخطّة مستقبلها، بل ينبغي أن يتدخل «البابا» وتسمح «الماما» في نهاية المطاف. وإذا سلّمنا جدلاً بوجود مجموعة من القيم الأخلاقية المتعارف عليها قروياً، فالثقة بهذه القيم لا تكفي لتحرير الأنثى من عقدة المدينة.
بالنّسبة إلى أهل نور، كان مشروع السّكن الجامعي الذي افتتح منذ ثلاث سنوات، الحل الأمثل لالتحاقها بكلية الهندسة في الحدث. هذه الطمأنينية التي دخلت قلب والدها تجاه فكرة السماح لابنته الوحيدة بمغادرة القرية، جاءت بعدما رأى موظفي الأمن التابعين لحرم السكن الجامعي، عندها تأكّد الوالد أن ابنته ستكون في «حماية دائمة». كان الرجل قلقاً من المدينة. المعادلة الأقرب إلى المنطق في القرى، تحجب الجامعة عن فتيات الأرياف، فيعانين عدم السماح لهن بإكمال الدراسة، بسبب رفض ذويهن فكرة مغادرتهن القرية الى المدينة. والد نور، كان خائفاً على ابنته من «الشباب»، ولولا السكن الجامعي «لكنت سأضطّر إلى الالتحاق بأي فرع للجامعة قريب من قريتي»؛ تقول نور، التي تعترف بأنها لا تحب فكرة أن تسكن في شقة للطالبات، لكنها رضيت بذلك «لإنو مش مقبول بنات لحالهم يقعدو ببيت». تقتنع بهذه الفكرة «لإني سمعت كتير قصص عن بنات بيروت». نور ما زالت قروية هي الأخرى، وإذا ما سئلت عن مكان سكنها تقول على الفور «أنا بنت ضيعة بس قاعدة مؤقتا بالسكن الجامعي».


التربية المنزلية هي الأساس

في موازاة إصرار الأهل على التمسك بالفتيات، منعاً لما يعدّونه «تفلتاً» في المدينة، تسقط الأعراف التي تجري مراعاتها في القرى بالنسبة إلى بعض الفتيات أمام اعتبارات كالحاجة والطموح. وتختفي الحدود المغلفة بالتقاليد، إلا تلك التي يضعنها لأنفسهنّ. معظمهن يرفضن الفكرة التي تقول إن البنت التي تأتي من القرية إلى الجامعة «بتفلت». في الغالب، بالنسبة إلى كثيرات، التربية في المنزل هي الأساس.