ميرا صيداوي

الخريف ينقضّ على الأشجار العارية كوحش كاسر. أجلس على الكرسي الخشبي. وأتابع ترتيب صوري القديمة مع الرفاق. تجلس ابنتي الصغيرة على ركبتي، وأراها تتلاعب بصوري المهترئة مردّدةً: «أبي أخبرني قصة جديدة»، تتعالى ضحكاتي قائلاً: «ألا تشبعين من القصص يا صغيرتي، حسناً، سأخبرك قصّة مصر وأمّك»، وقفت على عتبة المطار مع الرفاق، وكان الجميع متأهّباً للرحيل. احتضنتهم طويلاً وطلبت منهم الحديث عني بين الحين والآخر. راقبت ازدحام الحقائب، ثم فرّت دمعة من عيني، وكان من المستحيل على نفسي ضبط هذا الألم الطويل الآسر، حدّثت نفسي، ها أنا مسجون في ذاتي مرةً ثانية، لا بيروت تريدني ولا حتى الحدود تقبل جواز سفري، وددت لو أكون معهم أعتلي المسرح أرقص وأغني، إلاّ أنني لم أحصل على إذن الدخول إلى مصر. لماذا؟ سألت الفتاة الصغيرة. لأنني فلسطيني يا صغيرتي. حملت ألمي ومضيت تائهاً في الشوارع. أمشي شاعراً بحبات العرق تمتزج بدموعي. وبعدها يا والدي ماذا حصل؟ لا شيء. ظللت أتألّم حتى قابلت والدتك وأحببتها فنسيت عدم مشاركتي في العروض المهمة. ونسيت رغبتي في زيارة مصر ورؤية سعاد حسني ونبض الجنون هناك. واكتشاف شارع محمد علي والنيل. نسيت أنني فلسطيني الجنسية ومحجوز هنا، منعوني من السفر ومن التحليق عالياً، إلّا أنني لم أتوقف عن التحليق والطيران، وأنا في مكاني سافرت في عيني أمّك وعرفت أنني ما زلت قادراً على الحب. ولكن، سأكمل لك الحكاية غداً.