دمشق ــ محمد دحنون

عزيزي كارل
تحياتي
بدايةً، أودّّ أن أقول لك إنّني ضحكت كثيراً حين قالوا إنّك عدت. سألت: من أين؟ بالطبع، لم يخطر في بالي جواباً ميتافيزيقياً. تركتهم، البعض كان سعيداً بـ«عودتك» والبعض الآخر كان قلقاً من تلك «العودة». بالنسبة إليّ، لم أشاهدك تغادر كي أصدق أمر عودتك المزعومة. ليس في الأمر استخفاف ببصر الآخرين ولا ببصيرتهم، كلّ ما في الأمر أنّني لم «ألتق» بآخر من أمثالك كان قادراً أن يقنعني مثلك. في الحقيقة، عليّ أن أكون صادقاً معك. فإضافة إليك، هنالك آخرون تمكّنوا من إقناعي بهذا القدر أو ذاك. وعلى رغم بقائك الأوّل في هذه المسألة، إلّا أنني كنت أودّ أن أعرّفك إليهم.
العزيز كارل
أعلم أنّ بداية التسعينيات من القرن المنصرم كانت عصيبة عليك، لم يكن لك إلّا أن تشك في كل شيء، في نفسك ربما، وفي الآخرين حتماً. تعلم أنّني لم أستطع أن أمدّ إليك يد المساعدة في تلك الفترة العصيبة، لأنّني، كما تعلم، كنت مشغولاً في الإعداد لفحص الشهادة الابتدائيّة. أرجو ألّا تزعل منّي، فقد كان مستقبلي على المحك. أعرف أنّك حريص على مستقبلي. وبما أنّي مؤمن حتى العمق بالمثل القائل «الصديق وقت الضيق»، فقد جنّدت لدعمك، في تلك الفترة، شخصاً أوليه كلّ الثقة الممكنة وآتَمنه على جميع أسراري، دون أن أخبره إياها! صدّقني، إنّه الشخص الذي أختاره للمهمات الصعبة في حياتي، فهو لا يضيّع البوصلة.
بالطبع، لا أقول لك هذا الكلام من باب المنّة أو التفاخر السخيفين، كل ما في الأمر أنّي أودّ أن أؤكد لك أنّي لم أتخلَّ عنك في الأوقات الصعبة. أعلم أنّ هناك بعض الخبثاء ممن همسوا في أذنك بكلام سخيف عن أنّي تخلّيت عنك. أريد أن أقول لك إنّ هؤلاء هم في الحقيقة من «أنكروك» بالطريقة السهلة نفسها التي من خلالها «آمنوا» بك. أنا لم أؤمن ولم أنكر، أنا اقتنعت وأغنيت قناعاتي!
وأخيراً كارل،
أظنّ أنّك تريد أن تعرف من هو ذاك الشخص الذي حدّثتك عنه. إنّه ببساطة أبي. ذلك الشخص شبه الأمّي، الذي يكتب «شكراً» بالنون، ذلك الشخص الشريف الذي لم ينفك يدافع عنك، ويعلن أنّك على حق، في عمله وتعامله.
كنت معه. ونحن معك.