القاهرة ــ منتصر حجازي

أحب المشي ليلاً في شوارع وسط البلد، لذلك، غالباً ما تكون عودتي إلى المنزل «كعّابي»، أي سيراً على الأقدام. إلا أنني أضطر حينها إلى عبور «شارع الفلكي»، الذي يبدو المرور على عفاريت ألف ليلة وليلة أسهل من المرور به ليلاً، لأن عناصر شرطة قسم عابدين يكرهون أن يروا مارّة بعد دقات منتصف الليل، لسبب أجهله لكن أستطيع الجزم بأن لا علاقة له بحدوتة «سندريلا».
كنت عائداً إلى المنزل مفلساً كالعادة، أدندن لحناً يختنق فى حلقات دخان السيجارة التي أدخّنها.
«بسبس بسبس».
قلت: لعله أحد أولئك الذين يستوقفونك في الشارع لتشعل لهم سجائرهم، وهي عادة مصرية قديمة تعود للعصر الفاطمي حين كان يسعى «عفريت الليل ليشعل قناديل الأزقة والحارات بعصا طويلة تشتعل رأسها»، كما تقول الرواية.


سألني عن سبب وجودي في شارع يبعد بضع دقائق عن منزلي!

توقفت لأشعل له سيجارته فإذا به يطالبني بالهوية. كنت على وشك أن أسأله من أنت؟ حين ظهر زميله من زاوية مظلمة، يحمل جهاز نداء لاسلكياً. لم يعد هناك داع للسؤال. سألني: «رايح فين؟»، فأجبته أنني متجه إلى المنزل. «وأيه اللي جايبك هنا؟»، قال لي وكأنني دخلت حدود إسرائيل، علماً بأن «هنا» يبعد شارعاً واحداً عن منزلي. «أركن»، أمرني بلهجة حاسمة. «ركنت» في الجانب المظلم من الشارع الذي اتضح أن فيه حوالى ثمانية شبان محتجزين.
استجمعت شجاعتي وسألته: «أليست البطاقة سليمة؟»، فأجابني: «وإيه يعني؟ ما الحرامي معاه بطاقة وسليمة كمان!».
سكتت وقلت أنتظر الضابط، لعل التعامل معه يكون أسهل. بعد نصف ساعة، وصل ميكروباص أبيض يستقله رجل ضخم الجثة وعلى وجهه ندبة تشبه تلك التي على وجوه «بلطجية» أفلام حسن الإمام، كان ذلك هو الضابط. حاولت أن أتكلم معه لكنه أصرّ: «في القسم... نشوف ده في القسم»، دافعاً إيانا، أنا وأكثر من خمسة وثلاثين مواطناً تكدسنا في باص يسع لأربعة عشر راكباً
فقط.
انتهى بنا المطاف في قسم شرطة عابدين، حيث احتُجزنا ساعات أطلق من بعدها سراحنا من دون أي اعتذار. هناك، تعلمت ألا أعود لمنزلنا بعد منتصف الليل.