القاهرة ــ منتصر حجازي

«لماذا تحب مصر؟»، بادرتنى صديقتى بهذا السؤال الذي يبدو بديهياً. تلعثمت قليلاً وحككت رأسي ككل المفكرين العرب، وقبل أن أفتح فمي، انهالت علي بوابل من الأسئلة يحتاج إلى عمر مثل عمري للإجابة عنه، ويبدو أصعب من أسئلة مادة الفيزياء للثانوية العامة. ما الذي تحبه؟ تحرش أم عنف أم تلوّث أم ازدحام مروري أم بطالة أم انتهاك للحريات؟ أجبتها وكلي حماسة: «لماذا كل هذا الهجوم؟ ألأنّ بعضاً من الشباب المتسكع على نواصي الطريق يقطعون عليك الشارع؟ فهذا يحدث في كل العالم. ألأنّ الأرض ضاقت بأهلها ولم يعد للمصريين كرامة فى بلاد النفط؟ وماذا في ذلك؟ فليعودوا إلى بلدهم. ألأنّ النيل يرزح تحت أكوام المخلّفات السامة؟».
حين انتهيت من الإجابة، اكتشفت أنني أكلّم نفسي، فقد تركتني ورحلت. جلست مجهداً على كورنيش النيل، وتذكرت حين طلبت من إحدى صديقاتي أن تبقى فى شقتي لأن عمالاً سيأتون لإنجاز بعض الإصلاحات، وذهبت إلى عملي. يومها، حين عدت، وجدتها منهارة. فقد غافلها أحد العمال وسرق خاتمها وراتبي الشهري الذى يعلم الله أنني لا أملك سواه. هدّأت من روعها وذهبنا إلى قسم الشرطة كي نبلغ عن حادث السرقة. هناك شاهدت أنا وصديقتي ما لا عين رأت وما لا يخطر على بال. فقد تعامل الضابط معي كأنني أنا اللص، وتعامل معها كأنها من الساقطات، إذ بادرني بأسئلة كان ألطفها «ماذا كانت تفعل هذه «القطة» فى منزلك؟ وما هي طبيعة العلاقة بينك وبينها؟»، وحين انتهى من النظر إليها باحتقار حرّر محضراً بالواقعة. كان المحضر يوثّق للسرقة الرقم مئتين وتسعة في الدائرة نفسها واليوم نفسه. وبعد ما احتُجزت وصديقتي لنحو خمس ساعات مع بعض المشتبه بهم، أمر بانصرافنا، وقد أخذ رقم هاتفي ليبلغني حين يجري القبض على الجاني. طبعاًَ، لم يتصل بي حتى الآن.
أفقت من شرودي على يد تمتدّ نحوي بكوب بلاستيكي قذر يحوي شاياً، وصوت يبلغني «الكوباية بثلاثة جنيه يا أخ». أجبت صاحب الوجه الذي يبدو كخارطة من كثرة الندبات، التي تكسوه من مشاجرات قديمة «أنا لم أطلب شاياً»، فأجابنى «الشاي مقابل أن تجلس على رصيف الكورنيش يا فِتِك، هات 3 جنيه أو إمشي».
تحركت ببطء الموتى ورفعت وجهي لأشكو إلى الله ضعفي وهواني، فصادفت العلم ذا الألوان الثلاثة الباهتة يرفرف فوق مبنى ماسبيرو، وفي داخله الصقر القوميّ يمدّ لي لسانه.