دمشق ــ محمد دحنون

كان يكفيه القليل من التردد، لكي تضطلع المؤسسة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي بحسم أمر مجيئه «رسمياً» من عدمه: قطعت الماء، فعرف سكان العاصمة أنّ الصيف «هجم». أما النهر المغدور، بردى، فلم يصمد أمام التردد، إذ أعلن مبكراً عودته إلى حجمه الطبيعي: ساقية تجتر ذاكرتها عن النهر «المحترم» الذي كانت.
صيف يشعل شوارع العاصمة بكلّ مفرداتها: الإسفلت، السيارات، الأرواح والأجساد. ليحيل دمشق حرائق تتكثف جميعها في مركب النزق أو «الضوجان» الذي يتمتع السوريون بحيازة فائض منه. فائض غير معد للتصدير بل مكرس فقط للمقايضة على المستوى المحلي. أبرز مظاهر تلك المقايضة الشجارات. شجارات لأبسط الأسباب، شجارات الكل ضد الكل، بين الجيران، بين سائقي الميكروباصات وركابهم. بين الموظفين و«الرعية»، وبين الأصدقاء أنفسهم. ففي الصيف تتحول العاصمة ورشة عمل لصنع الشجارات الصغيرة والكبيرة و... حلّها. يحيل النزق سكان العاصمة إلى الحافة، حافة أي شيء، وحافة كلّ شيء. نزق يجعل الجواب عن أي اعتراض أو نقد أو احتجاج: «تركني والله واصلي معي لهون». السبابة اليمنى تشير إلى نقطة ما بين ذروة الأنف وقحف الجمجمة!
نزق يزيد في «بلّته» الكثير، لكنّ أبرز ما في هذا الكثير شوارع بعينها، شوارع معدة لاحتضان أنوثة تلهث وراء مواعيدها، ويلهث خلفها شيئان: عطرها الفواح وشهوتك المغدورة. عطر يلغيك، يحيل روحك إلى غمامة حائرة تشعر بالكثير من الخذلان. وشهوة تلملمك، تعيد استقطابك حول أعضاء من الجسد.
شوارع بعينها، مثل ذلك الذي يسير بك من ساحة حي باب توما التاريخي وصولاً إلى مدخل شارع القيمرية، شارع تزدحم فيه عطور وشهوات ومطاعم هي أمكنة المواعيد، أو أمكنة صناعتها. هو الشارع الذي عليك أن تتخذ احتياطات، من نوع خاص، إن أردت أن يسير بك: فإمّا أن تكون برفقة الأنثى التي لا غبار على مستوى «بينلوب كروزيتها»، أو أن تكون قد انتهيت توّاً من وضع حدّ لـ«ضوجان» الليبيدو في جسدك، ووفق طريقة تختارها أنت، وحيداً واحداً مستوحداً، أو برفقتها. فإذا اخترت معاندة الليبيدو الذي وصل إلى الدرجة الحمراء، ليعلن نفسه حاكماً مطلقاً على وجودك فعليك أن تستعد للكثير من الخذلان، الحيرة، والارتباك. وإن باغتك الشارع الذي يسير بك ببنطال جينز، فستنتقص من حقه، إن قلت إنّه موديل «خصر واطي»، بل قل «فخذ عالي»، وحاول الليبيدو أن يقول لمن يرتدي ذاك البنطال، وبأوطى طبقة صوتية ممكنة: آنستي، خصر بنطلونك الجينز واطي، واطي جداً. فعليك أن تتحمل نظرتها التي تزدريك، و«ضوجانها» الذي يفتنك، وشفاهها التي توجه لك «اللكمة» التالية: «العمى شو واطي!». لكنّ سذاجتك المفتعلة ستتفاعل مع كأس العرق الكبيرة التي كرعتها للتو، فتجيبها وقد بدأ الليبيدو ينزّ: «يا آنسي، ما أنا عم قلّك نفس الشي. خصر بنطلونك الجينز واطي... واطي جداًًً!». تنظر إليك بنفاد صبر، وتقول: «اتركني بحالي، والله واصلي معي لهون». (السبابة في مكان ما بين ذروة الأنف وقحف الجمجمة).
تمضي غاضبة... يطاردها الليبيدو!