ميرا صيداوي

«رأيتهم يا حضرة الضابط»، قال أبو عماد. «كنّا بالملايين، ملامحهم هامدة، شعرت بالخوف من ملامحهم فصرت أرتعش وأرتعش دونما توقف. قالوا لي: «أيها الضابط المحترم لقد مشوا طويلاً ولن يتوقفوا حتى يصلوا إلى آخر زاوية في بيروت. سيبتلعون بيروتنا يا سيدي، بيروتك وبيروتي...»، كانوا يهمسون مرددين: المدينة بحاجة إلينا لنعاود خلقها من جديد. «يا سيدي أرجوك إنّني لا أفهم هؤلاء المعتوهين، لكن بدا لي أنّني كنت أعرف العديد منهم. بل كنت أراهم يومياً، نعم... تذكرت مثلاً ياسمين الجارة، ومريم البائعة المتجولة... آه يا إلهي كانت معهم امرأة مسنة رمقتني بلؤم وكأنّها تريد إخباري شيئاً ما... نعم... نعم يا سيدي تلك العجوز كانت أمي... الجميع في تلك المسيرة يتحضر لاقتلاع بيروت. وأنت هنا أيها الضابط لا تحاول حتى إيقاف هذا الجنون. لا بدّ أنهم مسحورون بطريقة ما. أعني أعلم أنّ أمي نبذتني منذ زمن إلاّ أنّها كانت تحدثني بين الحين والآخر عن أشيائها الصغيرة والكبيرة. لكنّها لم تطلعني على موضوع الجنون هذا. هم ناس يا سيدي لهم أنياب مخبأة ويمرون بين أمواتهم متجاهلين حتمية الموت ومهابته. هيا يا سيدي لنحاول الانقضاض على هذا الجنون، قبل وصولهم إلى بيروت وابتلاعها».
جمدت كلمات أبي عماد أمام برود الضابط. الذي تأمله بالغرابة ذاتها التي رمقته بها أمه. شعر بالرعب لكن الاصفرار على وجه الضابط بدا عارماً... كيف لم يلحظ أبو عماد وجه الضابط وصمته المخيف. نادى الضابط أحد الحراس قائلاً: «خذوه إنّه مجنون»... الجميع كان أصفر اللون، الملامح باتت تتشابه. شعر أبو عماد بالغصة، فبيروت قد تنتهي اليوم حكاياها. رأى الضابط يمر من أمامه كالظل. أخاف المشهد أبا عماد فمشى مع الحارس إلى السجن وقرر أن يبكي هناك.