دبي ـــ رولا الحسين

علاقتي مع السينما ليست جديدة. لكنني لا أذكر كيف كانت سابقاً. أذكر حبي للسينما، رغبتي في أن أكون جزءاً منها وأن تكون جزءاً من ذاكرتي، ولكنني لا أذكر إلمامي وإقبالي واقتنائي لأفلام تمثّل عصب السينما أو حتى هامشها.
التلفزيون بقنواته القليلة كان نافذتي على كمية كبيرة من أفلام هوليوود... وبيروت ومهرجانات أفلامها الصغيرة كانت المدخل إلى سينما بديلة كأفلام السينما الأوروبية والإيرانية والأميركية غير الهوليوودية. الشغف بدأ في بيروت ولكنه أخذ شكله في دبي.
هنا كانت الرغبة في البحث والارتفاع قليلاً، قلق التمكن، همُّ التعلق حتى النهاية، قرار حب الذات، الحفر، الطيران، الارتباط، الهاجس... السينما.
صالة السينما قريبة من البيت. مراكز بيع الـ dvd تتكرّم بعروضات مغرية. مهرجان السينما السنوي يشبع تلك الرغبة الشرسة بتحميل السينما في الذاكرة الصغيرة. الأصدقاء القليلون يتواطأون على المنافسة لتملّك ذاك الشغف. كل هذا يجعل عالم السينما عالماً حقيقياً، وتصبح أنت نجماً وناقداً ومترقباً وغيوراً.
تلك الزاوية في مطار بيروت، تقوم هي أيضاً بدورها تجاه عشاق السينما في رحلات العودة من بيروت إلى دبي، حيث تمدّنا بأفلام أوروبية رائعة... لتكتمل مع «roma» و«and a half 8» مجموعة فيلليني.
تصبح الذاكرة مكتبة مؤرشفة تماماً كالرفوف التي تحفظ كل مقتنيات الـdvd الثمينة، وتصبح دبي أجمل وأغنى عندما يمرّ عام وتقوم بجردة لما اختبرته فتجد أفلاماً مليئة بالسحر كفيلم «أسرار الكسكس» التونسي، بينما لا تزال الذاكرة تتمتع بـ«طعم الكرز» الإيراني من أحد مهرجانات بيروت. تعلم حينها أنّك لم تخسر روحك تماماً في هذا المكان وأنّ لديك دائماً فرصة لتحلق من خلال مشهد ونغم أو حتى أزمة.
شهدت دبي استياءنا من يوسف شاهين وأفلامه الأخيرة وحسرتنا لخسارته، كما شهدت انتظارنا الطويل لأفلام يسري نصر الله وخيبتنا بـ«جنينة الأسماك»، ثم امتعاضاً بعد امتعاض من أفلام خالد يوسف إلى أن أيقظ محمد خان كعادته رغبتنا بمتابعة السينما المصرية من خلال «شقة مصر الجديدة». لعنّا «بدي شوف» ومخرجيه، وتفاوتت آراؤنا حول حلاوة «سكر بنات» إلى أن سلّمنا أن السينما الأوروبية هي الملاذ وأن بينالوبي كروز رائعة الرائعات، إن كان في «فيكي كريستينا برشلونا» أم في «اليجي»، ولكنها بلا شك الأروع في don’t move الإيطالي. شاهدنا أيضاً best of youth وشربنا كأس رأس السنة مع بطله قبل أن يقفز منتحراً من شرفته ويتركنا نفكر في روعة الانتحار وسحره.
بدأ هذا العام بداية سينمائية طيبة مع أفلام مثل «milk». أما البطاقة الصالحة لكل الأيام والأوقات التي تسمح لنا بالتربع على الكنبة أمام الشاشة الصغيرة فاستحضرت لنا أفلاماً من رفوفنا ورفوف أصدقائنا المقدسة، أفلام كلاسيكية مثل كازابلانكا وموسيقية مثل كاباريه وall that jazz وأفلام لا تتوقف عن التفكير بها مثل requiem for a dream وunderground.
السينما هي الشغف الخالص، والجسر نحو الروح. أما السينما في دبي، فهي مترو العبور إلى عالم مواز.
هكذا يحسب العمر... ليس بالسنوات، ولا بالأنفاس بل بعدد الأفلام التي أسكرتنا وعبرنا بها نحونا، وتجنبنا من خلالها نوبات هلع ووحشة مكان.