ميرا صيداوي

أنتعل حذائي الجلدي وأركض في الشارع كالمجنون. اليوم وككل يوم لا تتوقف أبواق السيارات عن الاحتفال. أصوات الازدحام المعتاد تتسلل إلى رأسي بسرعة البرق.
لكنني اليوم بالذات لن أهتم بكل ما يدور من حولي، لن أهتم بازدياد الشيب في شعري، وبالطبع لن تعنيني أسواق بيروت الغريبة عني، ولا حتى النساء المثيرات.
اليوم بالذات انتهيت من كتابة المقال، بعد فترة انقطاع متعمد دامت نحو شهرين. انتهيت من هذا المقال المرتبك كصاحبه. بلا مؤاخذة، حاولت تسجيل موقف أدبي بالإضراب عن الكتابة تحدياً للوضع العربي والعالمي المشؤوم. توقفت عن الكتابة لأجل كل قضايانا الإنسانية والسياسية وليس لأنّني أفلست عن صنع قصص جديدة قد تلفت القارئ. المهم، أهرع للحاق بتاكسي محترم يقل حضرتي الكاتب العظيم إلى الجريدة، أصل فتنتفخ ملامحي وأنا آمر سائق التاكسي بالتوقف حالاً. أعيد على مسامعه الحديث ذاته: «لقد وصلت متأخراً. يا ربي، الجميع في انتظاري، كما تعرف...».
أرتب هندامي أمام المدخل، بينما أنتظر إدخالي. أتأمل ملابسي مرة ثانية، ربطة العنق الحمراء مع البنطال البني وذاك الحذاء «اللقطة» من سوق الأحد. أتنهد متمتماً «لا بد أنّهم اشتاقوا لي جميعاً. أعرف أنّ لا أحد يعرفني لكن بالتأكيد هم لا يجهلونني... قد يعجبهم هذا المقال وأحصل أخيراً على وظيفة دائمة مستديمة. يعني مكيفاً في الصيف، مكتباً خشبياً هادئاً، مبلغاًَ من المال يستحق التعب، وأخيراً قد أصبح قادراً على ابتياع سيارة أحلامي... ولمَ لا أشتري منزلاً مطلاً على البحر، وقد ترغب بي النساء الجميلات، هذا عدا المقابلات الصحافية الدائمة وهكذا»...
يخترق صوت أحدهم أحلامي: «يا حضرة، يلا ادخل».
أهز رأسي فيما تتسارع نبضات قلبي، أعبر بين المكاتب ولا يلحظني أحد. أحاول المرور بين الوجوه، أمامها، حولها، دون فائدة... أذكر عندما كنت طفلاً أهرع وراء الحلوى. لكن جدتي ليست هنا لتحتضن خيبتي عندما لا أحصل على الحلوى التي أحب. الممر المضاء يشبه كل ما حلمت به، أدخل أحلامي بينما تبقى يداي خارجها.
أخيراً، أضع المقال على الطاولة وأهرع... لا بأس قد يرونني غداً...