ميرا صيداوي

الحرب هنا. لا تزال قادرة على التقاطها بعينيها. الموت والرائحة العفنة تتسرب من التراب، الذاكرة تأكل شيب العجوز. تصير الخطوط في وجهها خطوطاً لحيوات مضت.
بدا من المستحيل أن يعنيها صياح الناس في الخارج. لا شيء سيغيّر علاقتها بهذا المقعد ولا حتى الموت نفسه. همست لنفسها: «لن يستطيع أحد إغلاق الجنينة، هذا المقعد لي...».
بعد وقت اقترب رجل الأمن من المرأة معلناً انتهاء الوقت. حملت جسدها المنهك، ودّعت مقعدها ومشت نحو منزلها. كانت تمرّ بين الشوارع الضيقة متأمّلة صور الرجال التي علّقت للانتخابات. لا شيء في هذه الصور يلفتها. الجميع له وجه واحد لا يتغيّر. تأبّطت جدران الشارع بذراعها لتعود صورة والدها إلى جانبها. يمشي والدها حاملاً بندقيته القديمة، مرتدياً سرواله الواسع وهو يدندن موسيقى عبد الوهاب، فيما تحاول هي تقليده لتصبح مثله، فيحملها عالياً لتلامس السماء. في اليوم التالي، عادت العجوز إلى الحديقة لتجدها ركاماً. لم تستطع عيناها استيعاب الصورة. تأمّلت كل المشهد فلم ترَ نفسها داخله. الألم لم يعتصرها ولم تشعر بضرورة البكاء. ظلت تحاول البحث عن مقعدها المعتاد، فيما تتعالى أصوات الناس من خلفها. لم تكن تسمع شيئاً سوى صدى ضحكاتها. ويهرع والدها محاولاً اللحاق بها. الركام لا يوقف صدى ضحكاتها والمقعد صار بعيداً. حاولت نبش ذاكرتها بين الركام. المقعد لا يزال بعيداً. تدور في المكان، تسأل عن الطيور والأطفال. الجو بات خانقاً. هي تحتضر بين ركامهم وصور الطرقات. هي تموت، والموت لا يوقف ابتلاع المدينة.
«لقد ماتت العجوز»، صرخ الرجل فلتتوقف الجرافة.