ميرا صيداوي

انتظر أبو صالح أمام الباب طويلاً. كان يعرف منذ البداية أنّ دخول حضرة الزعيم الفلسطيني أشبه بأعجوبة. لكنّه لم يفقد الأمل، فالوضع في المخيم بحاجة إلى إعادة نظر والحالة في تدهور مستمر. الفوضى السكانية والممرات الضيقة والضباب الكثيف تنتشر بسرعة البرق. أراد أن يلقي أمام الزعيم خطاب الوطنية القديم ويخبره عن أحداث الشغب التي يقوم بها الشبان في المخيم نتيجة الحرمان.
فكر أبو صالح بالكلمات التي حفظها سابقاً، رأى نفسه يناديه: «يا صاحبي، أنت تعرف أنّ الوضع لا يمكن السكوت عنه». لكنّه تردد، فكلمة صاحبي قد لا تليق بحضرة الزعيم المؤقت.
حاول صياغة كلّ كلماته منتظراً دوره أمام الباب. تأرجحت عيناه بين خطى الناس وهي تغادر مكتب الزعيم، لينتابه الدوران. شعر بالندم قليلاً، يا ليته سمع كلام أم صالح وأعاد النظر في فكرة الزيارة هذه. فمن الممكن أن أم صالح لم تكن مخطئة هذه المرة عندما قالت: «يا أبو صالح الزعما هلق مش متل قبل... خلص إنسى وعيش متل العالم». لكنّه لا يقوى على العيش مثل الناس في سجن صغير... هو غير قادر على احتمال ذاك الضجيج والتقيؤ المستمر بكل قضاياه القديمة...
أغمض أبو صالح جفنيه ليرى نفسه يعبر المخيم حاملاً وردة حمراء وصارخاً «الزعيم أعطاني الوردة... سنحمل وردتنا...».
وفيما كان يعلو صوت «أبو صالح»، كانت أعين السكان مسلطة عليه، جميعهم لم يصدقوا أنّ «أبو صالح» حصل على الوردة الحمراء التي حلموا بها مطولاً.
رقص أبو صالح بين الجموع وحرك ذراعيه عالياً على إيقاع الزغاريد والتصفيق، ليخترق الرصاص صدره فيسقط متألماً على الأرض. هرعت الجموع نحوه بينما حاول هو احتضان الوردة بين ذراعيه. همس أبو صالح «الجموع مشت فوق الوردة، والرصاص أصابني ليصيب الوردة».
استيقظ أبو صالح مرتعباً. كان الزعيم يجلس مبتسماً إلى جانبه قائلاً: «يا أبو صالح بعدك بتحب تنام، قوم خبرني شو بدك وأنا جاهز يا إبن المعارك».
انتفض الرجل منهكاً من أمام الزعيم ومشى بصمت متمتاً: «الجموع مشت فوق الوردة، والرصاص أصابني ليصيب الوردة».