كوبا ـــ عمر الديب

لدوافع الهجرة إلى كوبا حسابات مختلفة. فوجود تلك الجزيرة على بعد آلاف الأميال من الوطن والأهل، يجعل إمكان زيارة لبنان دورياً صعبة، نظراً إلى كلفة السفر الكبيرة. رغم ذلك، اختار بعض الشباب، ومنهم فارس، أن ينتقل إليها طلباً للعلم، مخالفاً بذلك السياق العام لوجهات هجرة اللبنانيين الذين يقصدون عادة الخليج أو أوستراليا أو أميركا أو كندا، وفرنسا خصوصاً، إذا كانت هجرة لتحصيل العلم. أما بلد السيجار والسُكّر، فهو لا يستهوي الكثيرين من غير السيّاح. هناك، يعيش فارس مع صديقيه، عبد من الأردن وخليل من البحرين، تجربة لم يسبقهم إليها الكثيرون.
وكان فارس قد انتقل إلى كوبا منذ سنتين إثر حصوله على منحة دراسية قدمتها له الحكومة الكوبية، تعويضاً عن بعض ما فاته من تقديمات دولته. فعام 2006 لم يكن موسماً انتخابياً. لم يزرهم في المنطقة التي يقطن فيها هو وأهله أي مرشح أو حالم ليعرض عليهم وعود المنّ والسلوى والعلم والعمل. انسدّت الآفاق في وجهه في بلد يضيق بالطامحين، فجال متنقّلاً بين السفارات بحثاً عن فرصة ليتابع تعليمه، لم تمنحه إياها سوى كوبا المحاصرة.
لم يكن وضع عبد وحسين مختلفاً تماماً، إذ يجمع الاثنان على أن «أموال المملكتين الأردنية والبحرينية ليست ملكاً لكل أفراد الشعب في البلدين». لذلك، هاجر حسين من البحرين الغنية إلى كوبا الفقيرة.
مضت سنتان على الوصول، لكنّ كوبا كـ«مثلث برمودا، بمجرد أن تصل هناك تعلق»، كما يؤكد فارس، الذي يجد صعوبة في التفكير في مغادرتها. قد تكون الطبيعة الجميلة والفتيات الأجمل عاملين مهمّين من عوامل الجذب في تلك الجزيرة، لكن الأكيد أن الفوضى المستشرية في لبنان والغموض الذي يلفّ مستقبله هما العاملان الطاردان الكامنان وراء فكرة الهجرة أساساً. هذه الأسباب جعلت من دولة ترزح منذ نصف قرن تحت الحصار مكاناً مفضّلاً لفارس ولكثيرين غيره.
فقد التقى فارس وعبد في جامعة الهندسة، وتعرّفا معاً إلى العشرات من طلاب فلسطين والصحراء الغربية، الذين يقصدون كوبا لأنها تخصّهم بمعاملة مميّزة كشعوب تحت الاحتلال. بعض الفلسطينيين أتوا من مخيمات لبنان، حيث تكلّفهم الدراسة ضعف ما يتكلّفه اللبنانيون. ورغم أن «الجار للجار» في الثقافة العربية، إلا أنهم، في كوبا، من «أصحاب البيت».
وللحسناوات الكوبيات قرص في هذا العرس. فخلال أسابيع قليلة من وصول فارس وعبد وخليل، كان كلّ منهم قد علق في شباكٍ لم يفلت منها حتى الآن!
يتحدث فارس بهدوء يميّز طباعه عن الصعوبات الاقتصادية في كوبا، فيما يتجنّب عبد الغوص فيها كثيراً، لأن «هذا البلد علّمنا وقدّم لنا الكثير» كما يقول، لذلك «لا يصحّ أن ننتقده وأن نشتكي منه». لكنّ الواقع ظاهر للعيان: ففي كوبا مواصلات صعبة، أسعار مرتفعة بالنسبة إلى مدخول المواطن الكوبي، وفقر منتشر بكثافة. نسأل عبد عن صعوبة العيش في هذا الواقع، فيذكّرنا بمقولة فيدل كاسترو: «نحن لا نعطي الآخرين مما يفيض عنا، بل نشاركهم في ما نملك». يردّدها بثوريته وطيبته، ليؤكد امتنانه للكوبيين الذين يتيحون له مشاركتهم في تقديمات بلادهم المتواضعة.