ميرا صيداوي

يطل الصباح مجدداً خجولاً على السوق المقابل للبيوت المهترئة. أحمل حقيبتي الفارغة وأمضي متسائلة: عمّ سوف تكتب محسوبتكن الكاتبة العظيمة اليوم؟ كيف سأسجل نقطة هامة في عالم الأدب الكبير؟
أمشي والأسواق تحيط بي من كل جانب. تستلقي القصص في سوق صبرا والضاحية والبرج على الجوانب. ما عليَّ سوى اقتناص الفرصة المناسبة لأحوك من أشياء الآخرين موضوعاً جديداً... لا شئ هنا ولا هناك. خالتي تتأرجح صعوداً وهبوطاً. عليّ كتابة حكاية ما...
استدعي أبو صالح، بطلي الفلسطيني العظيم، فأجده نائماً عن غير عادة. أشرب كأسين من الفودكا المغشوش وحالتي يرثى لها. شعري الأجعد يصدر أصواتاً وضجيجاً يجتاحان رأسي. أحك خصلات شعري بينما تتلمس أناملي الباقية التلفاز. قد أجد شيئاًَ ما أكتب عنه. لربما اغتال شاعر نفسه عنوة أو أعلن أديب حالة الإضراب عن الكتابة. لربما أجد أحلام الضعفاء وقد باتت على مقربة الحياة. لا شئ أبداً. كل ما هو هناك يلوك نفسه، والصور على الشاشة تصبح صوراً لا عمق لها.
أرتدي ملابس الشتاء كلّها، أعقد رباط الحذاء وأمشي تحت المطر. يغسل المطر الوجوه ويكنس حواراتنا العادية الرتيبة. أجلس في المقهى وأنتظر رجلي المعتاد... أسأله عن طعم فنجان القهوة، عن البساتين الخضراء الطيبة، أسأله عن الحياة خارج نافذتي وأصمت لأحصر دموعي في العمق. أهمس في اذنه: أخيراً قل لي عمّ أكتب؟
تتساقط حروفي على أذنيه كالصاعقة. يدوخ مني فيحمل جسده ماضياً ويعود ليصرخ: اكتبي عن الفرح.
يرحل مسرعاً وحبات المطر تزداد صخباً في الخارج... الفرح. لأتساءل كيف يكتب الفرح؟؟
هل نحن أمة تستطيع كتابة الفرح؟ إذاً فليكن. أنا وبقع المياه في حذائي وحالتي المجزّأة ومدينة تشير إليك من الخارج وتبتلعك عندما تتدخل. إذاً فليكن. سأكتب عن فرح الأثرياء والفقراء والشهداء والمثقفين والعهر المتضارب وأمراضنا وستون سنة من الانحلال... سأكتب عن الفرح في كل شئ لكن ليس اليوم، ليس الآن، ولربما ليس غداً...