ميرا صيداوي

طيف كبير الملمح يقترب من سريري ليقول: «أبو صالح قوم البسينات بدها تحتل المخيم». كان وجهه مألوفاً لكنني لا أذكره. نهضت من نومي لأتأمل المشهد من نافذتي:
«كانت أعدادها تقتحم المكان مسرعة، دخلت من السراديب المقيتة والحارات الضيقة. حملت الدخان من دكاني المتواضع. مرّت بمستشفى حيفا منقضّة على الأدوية القليلة محاولةً ابتلاع التفاصيل هناك، المرضى والنسوة والملائكة البيضاء.
اجتاحت القطط دكان أم حسن وابتلعت الخضر المعروضة. القطط في كل مكان. وددت الصراخ كي يستفيق سكان المخيم مسرعين لنجدة أنفسهم والبدء بالحرب المفترضة. إنّها حرب الإلغاء الأخيرة. إمَّا نحن أو القطط.
تحركت بهدوء وحذر مرتعباً من أصواتها المخيفة. حاولت أن أفهم اللغة التي تنطق بها. علقت أناملي بحافة النافذة. إنّها تقترب. القطط سوف تبتلع المكان، لنحارب لنحارب...
اختفت ملامح صراخي في السماء المختبئة تفاصيلها بين رؤوس البيوت والمرتفعات الصغيرة. يبدو أنني أغرق في عالم القطط. أمر لا يصدق. إنّها تخطط للانقضاض على الموتى ستجتاح المقبرة...
وصلت أعدادها الكبيرة إلى المقبرة ذات السياج الأبيض المجاور لنافذتي. رأيتها تتحرك ببطء بينما تردد هتافات خافتة. حاولت الصراخ لكنني لم أستطع. بدت القطط على وشك التهام الأموات. ستلتهم المحاربين القدامى والنسوة والمسنين الأموات. خفت على أمواتنا فحاولت النهوض فسقطت أرضاً لتتعالى كلمات زوجتي: «قوم يا بو صالح بدي اغسل شرشف التخت. صار وسخ. الله يقطع البسينات قال نبشوا قبر أبو خليل مبارحة...».
الطيف كان أبو خليل. صحت بزوجتي: «لقد زارني البارحة أبو خليل ليخبرني أنّ الحرب الآن هي حرب القطط».
صرخت زوجتي: «ولك ما في براسك إلّا الحرب تعلّم من البسينات هادا شباط...».