دخل رجل أمن يصرخ: «هناك قنبلة. يجب أن نُخلي المبنى». جملته مرّت صادمة. ساد صمتٌ قبل أن يرتفع الصراخ وتعمّ حال من الفوضى أروقة القصر كلها. مشاهد الخوف تناقلها شهود عيان شهدوا اللحظة. تحدّثوا عن قاضية سمعت الخبر فتركت قوس المحكمة على عجل. ذكروا أنها كانت تصرخ بهلع قائلةً: «هناك انفجارٌ سوف يقع».


صار الخبر على كلّ لسان، فأغلق الموظفون مكاتبهم وفرّوا هاربين. الدقائق مرّت سريعة، أُخلي خلالها القصر من جميع موظّفيه وزائريه.
فُرض طوقٌ أمني حول مبنى قصر العدل فيما تولّى خبراء متفجرات من الجيش اللبناني التفتيش عن العبوة المزعومة.
كانت المعلومات متضاربة حول جديّة التهديد، فتبادر سؤالٌ حول أصل الخبر. وفي هذا السياق، ذكرت مصادر من داخل القصر لـ«الأخبار» أن اتصالاً من مجهول تكرر لنحو ثلاث مرّات. فقد اتصل المجهول بدايةً برقم الطوارئ 112 ليبلغ عن عبوة متفجّرة داخل حقيبة أحد المحامين قبل أن يرد اتصالٌ آخر إلى مكتب النائب العام الاستئنافي القاضي كلود كرم يُنذره بوجود عبوة معدّة للتفجير، تلاهما اتّصال آخر بقلم التحقيق يتحدّث عن وجود العبوة ويُهدد بتفجيرها إن لم يُخلَ مبنى قصر العدل.
بدأت المشاورات إثر الاتصالات الثلاثة، فاتُّخذ القرار بإخلاء مبنى القصر حمايةً لحياة شاغليه إن صحّت التهديدات.
إذاً، أمر النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي كلود كرم بإخلاء المبنى وانتشر الخبر بين الحاضرين في القصر. كانت عقارب الساعة تشير إلى 11:45 من قبل ظهر أمس، فتولّى عناصر قوى الأمن المكلّفون حماية القصر عملية الإخلاء. توزّعوا في جميع طوابق القصر بغية الإسراع في تنفيذ العملية.
وفي هذا السياق، يحكي شاهد عيان لـ«الأخبار» عن حالة من الرعب كانت تُسيطر على الجميع، لافتاً إلى أن الصدمة كانت قوية لأن الخبر غير متوقّع. ويتحدّث الشاهد المذكور عن ارتباك وخوف مشتركين عاشهما شاغلو القصر، قضاة ومحامين وموظفين ومواطنين، وحتى رجال الأمن. دقائق الإخلاء مرّت بطيئة ذاع معها الخبر لدى معظم الوسائل الإعلامية، فحضر مندوبوها بسرعة. تجمهر الجميع على بُعد رمية حجر من القصر الذي مُنع عنه الزائرين لضرورات أمنية. في الخارج، تولّى جنود من الجيش اللبناني فرض الطوق وتحديد المسافة المسموح بها لاقتراب الإعلاميين. أما في الداخل فكان خبراء المتفجرات التابعون للجيش يتفقّدون الغُرف. استمرّت عمليات الكشف لأكثر من ثلاث ساعات نتيجة حصول بعض العرقلة، فالموظّفون الذين أخلوا القصر أقفلوا أبواب مكاتبهم قبل مغادرتهم، الأمر الذي أخّر عمليات الكشف.
وحُلّت المسألة بعد الاستعانة بأحد الموظّفين الذي يملك مفاتيح المكاتب. كذلك حضرت دورية من مكتب اقتفاء الأثر التابع للشرطة العسكرية في الجيش اللبناني، واستعين بالكلاب البوليسية المدرّبة على كشف أماكن المتفجرات، فأُدخلت إلى بهو قصر العدل وأروقته. كما جرى تفتيش السيارات والزوايا المحيطة بمبنى قصر العدل.
مرّت الساعات الثلاث من دون كشف العبوة المزعومة، رغم أن قناة العربية ذكرت أنه «عُثر على القنبلة والخبراء المختصون يفككونها». كما جرى تداول الحديث عن مسؤولية الجهة التي اتصلت، فنُسبت إلى تنظيم فتح الإسلام وجماعات أصولية، فيما تردد أن سبب الإبلاغ عن العبوة الوهمية هو الربط بينها وبين طرح إحالة قضية شهود الزور في مجلس الوزراء إلى القضاء المختص. من جهة أخرى، رجّح أحد المسؤولين أن أن يكون مصدر الاتصال أشخاصاً على صلة بأحد الموقوفين الذي كان من المفترض أن يحاكم، لافتاً إلى أنهم ربما أرادوا تأجيل الجلسة. في المقابل، رفض مسؤول أمني رفيع في قصر العدل في بعبدا الدخول بأي ترجيحات.
ولفت إلى أنه لا يمكن التنبؤ بهوية الفاعلين قبل انتهاء التحقيق الذي سيقوم بتحليل الاتصالات لمعرفة مصدر الاتصال أو هوية المتصلين. ورغم رفض المسؤول المذكور الخوض بالتحليلات والتكهّنات، فقد ترك الباب مفتوحاً أمام احتمالات كثيرة واصفاً ما حصل بالخطِر.
الإعلاميون وجنود الجيش اللبناني واكبوا عمليات التفتيش عن العبوة المزعومة عن بُعد طوال الساعات الثلاث. في المقابل، كان النائب العام الاستئنافي كلود كرم والرئيس الأول نبيل موسى برفقة ضبّاط الجيش داخل القصر الذي لم يغادروه قبل الساعة الخامسة تاركين قصر العدل ينعم بالسلام.



لقطة

تهديد القضاة من جانب بعض المتقاضين ظاهرة شائعة في كل دول العالم. وفي لبنان، يزخر سجل حوادث قصور العدل بالكثير من التهديدات التي يتلقاها قضاة. علماً أنه جرى في بعض المرات تنفيذ التهديد، فمنذ أكثر من عقد من الزمن، اغتيل القضاة الأربعة في قصر عدل صيدا، الذين لا يزال القضاء في لبنان يتذكرهم في كل مناسبة داعياً إلى إنهاء التحقيق الذي ما زال مفتوحاً. يُذكر أن المدّعي العام لدى محكمة التمييز القاضي سعيد ميرزا، كان قد طلب توقيف سيدة انتحلت صفة قاضية عبر إحدى المحطات التلفزيونية، وطلب توقيف المواطن م خ. لتوجيهه رسائل تهديد هاتفية إلى قاضيين، فأحال الأولى على النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، والثاني على النيابة العامة الاستئنافية في بيروت لاتخاذ الإجراء القانوني.


قصر العدل الصامد في بعبدا

لم يكف قصر العدل في بعبدا التهديد بعبوة موهومة بتفجيره. فقد ذكر أحد الزوّار الدائمين لمبنى القصر لـ«الأخبار» أن خطوط الهاتف الثابت لدى مكاتب أغلب القضاة والموظفين في العدلية قُطعت الأسبوع الماضي لأن فواتيرها كانت مرتفعة. ويشار إلى أن خطوط الهاتف وعبوة التهديد ليسا مأساة القصر الوحيدة، فالعاصفة التي ضربت لبنان في عطلة نهاية الأسبوع أغرقت بهو القصر بالمياه التي اختلطت مع مياه المراحيض الفائضة مسببة رائحة نتنة غزت أنوف شاغلي القصر. يضاف إلى ذلك، انقطاع التيار الكهربائي عن القصر طوال يوم الإثنين بالتوازي مع تعطّل المولّد الكهربائي الخاص بقصر العدل في بعبدا.