تحسّن بسيط، ولكن بصيص الأمل في ملف حالك السواد مثل ملف الآثار في لبنان هو أمر يُذكر، يُنشر ويُكتب عنه، إذ يبدو أن الدولة اللبنانية لم تعد تنظر إلى موضوع الآثار على أنه من الكماليات التي لا يمكن البلد تحمّل أعبائها بسبب الوضع الاقتصادي الصعب، بل بدأت وزارة الثقافة تدافع بشراسة أكبر، وغير معهودة أخيراً، عن ملفاتها. كذلك يبدو أن فكرة التعامل مع الآثار على أساس أنها ضحية كل التسويات بدأت تتلاشى


، على الرغم من الضغوط الكبيرة التي تعيشها وزارة الثقافة والمديرية العامة للآثار. الملفان الأصعب هما المحافظة على البيوت التراثية والمواقع المهمة المكتشفة في حفريات الإنقاذ. وقد أظهرت المديرية العامة للآثار جرأة أكثر في طلب المحافظة عليها، وحصلت على دعم أكبر من وزارة الثقافة.
ففي الحرب الضروس التي تُخاض ضد رأس المال، استطاعت وزارة الثقافة أن تحصل على إذن من مجلس الوزراء بمنع هدم البيوت، حتى تلك غير المصنّفة، إلى أن تطّلع المديرية العامة للآثار على الملف، وهذا ما أوقف عجلة الخراب. وبدأ العمل الفعلي والجدّي لإعادة تحديد البيوت ذات الطابع الأثري، ولإدراج البيوت المهمة جداً على لائحة الجرد العام. ونجح هذا الأسلوب في منطقة زقاق البلاط، حيث قصرا زيادة وحنينة وبيت السيدة فيروز وبشارة الخوري، التي أُدرجت كلّها على لائحة الجرد العام. وكانت الخطوة الثانية الاستملاك الذي طُلب من بلدية بيروت، التي قدّمت، بعد جدل طويل داخل المجلس البلدي، طلب استملاك (الذي لم يحصل حتى اليوم) بيتي فيروز وبشارة الخوري، رافضة قصري زيادة وحنينة بحجة أنهما لا يحويان مرائب!!
إلا أن المحافظة لا يمكن أن تكون فعلية من دون قانون خاص، كـ«حماية الأبنية الأثرية». قانون يحمي هذه الأبنية ويحفّز ساكنيها على المحافظة عليها ويحقق لهم الربح المادي الدائم. هذا القانون، الذي انتهت اللجان النيابية من مناقشته، استحال إدراجه على جدول أعمال مجلس النواب، من دون معرفة السبب، لكن يمكن الاستنتاج أن قسماً كبيراً من أفراد الطبقة السياسية في لبنان يجنون أموالهم من قطاع العقارات، ولا يهمهم إمرار قانون «يقطع أرزاقهم»، حتى لو كانت على حساب هوية البلد. فهل سيتغيّر هذا الوضع ويمرّ القانون في عام 2011؟ يمكننا أن نأمل ذلك. صحيح أن التحالفات السياسية تلعب ضده، لكن إن أكملت الوزارة والجمعيات المختصة نضالها، فقد تصل إلى المناقشة في البرلمان.
وفي هذا الإطار، يمكن مسرح الأنجا في طرابلس أن يعطي مثالاً على تدخل السياسة في العقارات. فالنائب محمد كبارة وشركاؤه تملّكوا العقار الواقع في ساحة التل في طرابلس، مدركين مسبقاً أنه مدرج على لائحة الجرد العام. ولكن هذا لم يردعهم عن محاولة هدمه ومن ثم تركه أطلالاً لسنين. هنا، أتت الوزارة لتعرض الحلول الوسطية، فسمحت لكبّارة بإتمام مشروعه التجاري، بعد المحافظة على واجهة المسرح. القرار الذي غضّ النظر عن التحايل على القوانين، أثار حالة غضب في عاصمة الشمال التي ترفض في الوقت نفسه تقديم المبالغ الكافية لشراء العقار.
انتظار المبالغ والموازنات هو الذي يبقي ملف المحافظة على المواقع الأثرية المكتشفة في بيروت قضية ساخنة في السنة المقبلة، إذ ماذا سيحدث في عقار عودة ـــــ سرادار في منطقة البرج، حيث يُعدّ العقار بحدّ ذاته متحفاً لتاريخ بيروت بأجمعه؟ هل ستُرفع الآثار المكتشفة على أساس إدخالها ثانية في البناء ويُنسى المشروع لاحقاً، تماماً كما حصل في بناية النهار وفي السرايا الصغيرة وفي مشاريع كثيرة؟ أم سيُعمل على استملاك العقار والمحافظة عليه في مكانه؟ لا يمكن التكهن بذلك، وخصوصاً أن قرار الوزير سليم وردة مرة المحافظة على قطع الفسيفساء الرومانية، المكتشفة في وسط بيروت، اتُّخذ لأهميتها الفنية، وأيضاً لأن العقار الذي اكتُشفت فيه يقع بين بنايتين بما لا يمثّل عائقاً بالنسبة إلى المالكين.
مشاريع كبيرة يتطلب العمل عليها إرادة سياسية أولاً، ودعماً مادياً ثانياً، فيما ميزانية المديرية العامة للآثار لا تتخطى 0.01 % من ميزانية الدولة اللبنانية. هذا في انتظار التشكيلات الإدارية، إذ لا تزال المديرية العامة للآثار من دون مدير. صحيح أن وزير الثقافة يهتم بها مباشرة، فهو من يعطي التراخيص ويفاوض ويناقش المشاكل... إلا أن هذا الوضع يجب ألّا يدوم، وأن يصبح للمديرية مدير يهتم بشؤونها يومياً وعلى نحو دائم، على أن يبقى له كامل الدعم من وزارة الثقافة.