يقسم علم الآثار التنقيبات الأثرية إلى قسمين كبيرين. هناك أولاً التنقيبات على المواقع الأثرية التي تدوم عشرات السنين وتهدف إلى التعرّف إلى حضارات الماضي ويومياته، وثانياً حفريات الإنقاذ التي تجري في مواقع البناء حيث تُكتشف آثار، فيُنقّب عنها وتُرفع، بغية كشف أهميتها.


يعرف لبنان هذين النوعين من الحفريات. ففي المواقع الأثرية الكبرى، تأتي البعثات الأجنبية بتمويلها الخاص، ويعمل طاقمها، الذي قلّما يحتضن طلاباً لبنانيين، على نبش الماضي والحضارات الغابرة. الطريقة المتّبعة تشبه إلى حد كبير تلك التي بدأها الفرنسيون أيام الانتداب. يأتي الفريق العلمي، بكامل عدّته وعتاده، إلى الموقع الأثري، حيث يبدأ بالعمل على كشف المعالم الأثرية، وتدريس الطلاب الآتين معه التقنيات المتبعة في التنقيب والأرشفة وتنظيف القطع. العمل يجري على نحو شبه دائم من دون رقيب أو حسيب. واللافت أن الدولة اللبنانية لا ترسل ممثلاً رسمياً لها مع هذه البعثات، بل تكتفي بمرور المسؤولين عن المناطق الأثرية على هذه البعثات دورياً. قد يكون ذلك كافياً، وربما لا. ففي النهاية تأتي البعثات، تعمل، ثم تسلّم القطع المكتشفة إلى المديرية العامة للآثار وتتكفّل بنشر المعلومات العلمية عن دراساتها في منشورات المديرية العامة للآثار في لبنان أولاً. ويصعب على المديرية وضع شروط أكبر وأصعب على هذه البعثات التي اعتادت الراحة في عملها. لكن محاولة فرض الاستعانة بطلاب لبنانيين على كلّ البعثات قد لا تكون صعبة. طلاب يتعلمون التقنيات المختلفة في الحفر من جهة، ويمثّلون رقيباً على ما يجري في الموقع في غياب السلطات اللبنانية، من جهة ثانية. هل يمكن أن نلحظ توجهاً من هذا النوع في السنة المقبلة؟ أم عمل الطلاب اللبنانيين سيبقى مقتصراً على حفريات الإنقاذ التي قد تعطيهم تمرّساً عالياً في تقنيات التنقيب، لكنها نادراً ما تعطيهم فهماً واسعاً وشاملاً لحقبة ما، كذلك يستحيل أن تعطيهم الوقت الكافي لدراسة حقبة بكل تفاصيلها؟ وفيما يدرس أعضاء البعثات الأجنبية بإتقان وتفانِ الحقبات التي يعملون عليها، يجد أفراد طاقم حفريات الإنقاذ في بيروت وصيدا وصور وجبيل وطرابلس أنفسهم متضرّرين إلى حدّ إعطاء استنتاجات سريعة عمّا اكتشفوه، لأن أصحاب العقارات يريدون أن يكملوا مشاريعهم «الإنمائية» في أبراج الباطون.
أما الوضع الصعب الذي يشهده البلد، ويحتاج إلى حلّ جذري وقانوني، فهو وضع طلاب الآثار والآثاريين المختصين في التنقيبات، الذين يشاركون في حفريات الإنقاذ. فاتساع الورش وكثرة المكتَشفات خلقا فرص عمل جديدة للشباب المتخرّج في قسم الآثار في الجامعات، وبات الطلب أكثر من العرض، على قاعدة إيجاد المديرية العامة للآثار الحفريات للشباب، على أن يدفع لهم مالك العقار أتعابهم مباشرة. لكنّ أموراً كثيرة تحتاج إلى ترتيب، منها مثلاً معرفة من ينظّم هيكلية الدفع؟ من يحدّدها؟ ومن يوفّر لهؤلاء الشباب فرص عمل متساوية لا ترتكز على الصداقات والمحسوبيات؟ هل سيُعمل في الـ2011 على وضع إطار قانوني كتأسيس نقابات تضمن لهذا الجيل المتخصص حقه في مستقبل ضمن اختصاصه؟ بعد أكثر من عشر سنوات على حفريات الإنقاذ، لم تعد النظريات كافية، بل يجب الانطلاق نحو التطبيق، والخطوة الأولى يجب أن تكون في هيكلية تضمن حقوق الجميع.