داني الأمين

تأخّر موعد هطول المطر. فعلى عتبة الشهر الأول من فصل الشتاء، لا تزال «الدني مصيّفة»، حتى بات البعض يعلّق ساخراً «تأجّل فصل الشتاء إلى العام المقبل». لكن هذا التعليق قد لا يبدو مضحكاً، وخصوصاً في القرى التي تفتقد المطر لري مزروعاتها أو لتغذية الآبار التي تكاد تنضب من المياه. لهذا السبب، لجأ أهالي بعض القرى والبلدات الجنوبية إلى تأدية صلاة الاستسقاء طلباً للمطر. الكل يطلب على طريقته: فإما بصلاة استسقاء أو بالدعاء إلى الله. لكن، ثمة من اختار طريقة خاصة جداً أقل ما يمكن القول فيها إنها «تراث». ففي قرية حولا (مرجعيون)، عاد الأهالي إلى «الشيش بلّة»، وهي طقس ديني كان يؤديه أبناء هذه القرية منذ فترة طويلة جداً أثناء القحط والجفاف. هكذا، جال العشرات من أبناء القرية كباراً وصغاراً في الأحياء، مردّدين عبارات تدعو إلى سقوط المطر. توقفوا أثناء مسيرهم أمام الكثير من البيوت لجمع التبرّعات من أجل تقديمها للفقراء، لعلّ رحمة الله تنزل عليهم فيهطل المطر. وفي كل مرّة كانوا يتوقفون فيها، يرددون عبارة «شيش بلّة ما منروح إلّا تنملّي»، ثم يطلبون من ربّات المنازل التبرّع. وإذا تجاوبت ربّة المنزل معهم يردّدون بصوت عال «حطّوا ليفة عا ليفة صاحبة البيت نظيفة»، وإذا لم تتجاوب معهم يقولون «حطّوا قمحة عا شعيرة صاحبة البيت فقيرة». ثلاثة أيام جال خلالها الأهالي على كل الأحياء. جمعوا تبرعات بلغت حوالى 100 ألف ليرة لبنانية تبرّعوا بها للفقراء والمحتاجين في البلدة.

شيش بلة يا شيش بلة ما منروح تنملّي
وفي هذا الإطار، يشرح غالب قطيش، أحد المشاركين، الشيش بلّة، فيقول «هي عادة قديمة من قدم البلدة، وقد كان الأهالي أحياناً كثيرة يشعلون النار في مشاعل صغيرة يحملونها ليلاً معهم أثناء مسيرتهم، وتُكرّر المسيرة عدة مرّات إلى أن يعود الأهالي مبلّلين بالماء بعد هطول المطر». تكمل الحاجة أم رائف ما كان يقوله قطيش، فتشير إلى «أن على الفقير والغني المشاركة في المسيرة، لكنّ الغلّة تكون فقط من نصيب الفقراء، لأن في ذلك رحمة من الله، قد تساعد على هطول المطر». وتضيف «بالأول كانت التبرعات حبوب وملح وبيض، على عكس اليوم اللي صارت مصاري». وتبيّن فاطمة أيوب أنه «مرّت عدة سنوات ولم نلجأ إلى الشيش بلّة، لكنّ المطر تأخّر هطوله كثيراً هذا العام، لذلك كان لا بد من القيام بشيء». تسترجع أيوب بعض ما جرى في المسيرة، فتقول «حمل البعض المجسمات الخشبية الملفوفة بالأقمشة التي كان يعلّقها المزارعون على أعمدة في الحقول الزراعية لمنع الطيور من أكل الثمار، في إشارة إلى أن المزارعين قلّت محاصيلهم بسبب الجفاف، أو أنهم يعانون من قلّة هطول المطر».