strong>تتزايد الأسئلة عن عدالة المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وخصوصاً بعد إدخال قضاتها تعديلات على قواعدها. وللإجابة عن بعضها، صدر أمس عن رئيسها أنطونيو كاسيزي مذكرة إيضاحية ننشر أبرز ما ورد فيها


صدر أمس عن رئيس المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري القاضي الإيطالي أنطونيو كاسيزي مذكرة شرح فيها الأسباب الموجبة للتعديلات التي أدخلت على قواعد الإجراءات والإثبات في 10 تشرين الثاني 2010. وبرّر كاسيزي لجوء المدعي العام دانيال بلمار الى مصادر سرّية متحجّجاً بـ«حماية المعلومات الحساسة»، وأوضح أن المحكمة ستلجأ الى مجلس الأمن إذا عجز لبنان عن التعاون مع طلباتها.
يذكر أنها المرة الأولى التي تصدر فيها عن كاسيزي مذكرة كهذه، فسلسلة التعديلات التي أدخلت في 30 تشرين الاول 2009 وفي 10 حزيران 2009 لم تصدر بعدها أية مذكرات تشرح الأسباب الموجبة.
نورد في الفقرات التالية أبرز ما ورد في مذكرة كاسيزي.

حماية المعلومات الحسّاسة

قد تتطلب الإجراءات الجزائية الدولية المتعلقة بالإرهاب حماية بعض المعلومات المقدمة إلى الفريقين بصفة سرية. غير أن من الضروري أن تكون التدابير المأخوذة لحماية هذه المعلومات منسجمة كلياً مع حقوق المتهم.
في المادتين 117 و118 من القواعد، يصار إلى تحقيق التوازن بين ضرورة عدم إبلاغ المصدر أو المحتوى الدقيق للمعلومات السرية التي في حوزة الادعاء أو الدفاع، والحاجة إلى ضمان محاكمة عادلة تحترم حقوق الفريق الآخر احتراماً كاملاً. وتناط مهمة ضمان عدم استعمال هذه المعلومات بنحو يؤثر على حقوق الفريق الآخر بقاضي الإجراءات التمهيدية، الذي يضطلع بدور أساسي هو دور «هيئة قضائية» حيادية وموضوعية تخدم الحاجة العامة إلى ضمان احترام مبادئ المحاكمة العادلة. وتتعدى هذه الأحكام تلك، اللازمة لتأخير أو منع إبلاغ المعلومات التي من شأنها إلحاق الضرر بالتحقيقات، إحداث تهديد خطير لسلامة أحد الشهود أو سلامة عائلته، أو مخالفة المصلحة العامة (المادة 116 من القواعد). وتعالج المادة 117 من القواعد المعلومات التي في حوزة المدعي العام وهي معلومات قد يؤدي إبلاغها إلى المساس بالمصالح الأمنية لإحدى الدول أو لإحدى الهيئات الدولية. في هذه الحالة، يجوز للمدعي العام الطلب بطريقة غير وجاهية من قاضي الإجراءات التمهيدية الذي يقرر في غرفة المذاكرة وبطريقة غير وجاهية: (ألف) ما إذا يجوز إعفاء المدعي العام، جزئياً أو كلياً، من واجب الإبلاغ، (باء) أو إعفاءه من واجب الإبلاغ رهناً بتدابير موازية، على سبيل المثال (1) تقديم المعلومات مختصرة أو مموّهة، (2) أو تحديد معلومات جديدة وذات طبيعة مماثلة، (3) أو عرض الشق الأهم من الوقائع، من المهم فهم مبدأ التدابير الموازية ـــــ أي التدابير التي تعالج مسألة عدم إمكانية إبلاغ المواد التي كان يجب إبلاغها وبالتالي تضمن احترام حقوق الفريق الآخر.
وتطبق الأحكام نفسها عندما تكون المعلومات التي قد يؤدي إبلاغها إلى المساس بالمصالح الأمنية لإحدى الدول أو لإحدى الهيئات الدولية بحوزة الدفاع (أو متضرر مشارك بالإجراءات) الذي يكون ملزماً بإبلاغها بموجب القواعد (مثلاً المادة 112 من القواعد).
وتتطرق المادتان 118 و119 من القواعد إلى إبلاغ المعلومات التي: (1) تقدم بصفة سرية، (2) والتي تمس بمصالح الأمنية لإحدى الدول أو لإحدى الهيئات الدولية. ولا تبلّغها إلا بعد موافقة مقدمها.

تعاون الدول مع المحكمة

«يمثل تعاون الدول عاملاً أساسياً لأداء أية محكمة جنائية دولية مهماتها بنجاح. بل يعدّ مثل هذا التعاون أكثر أهمية في ما يتعلق بالمحكمة الخاصة بما أن الدول الثالثة (أي الدول الأخرى غير لبنان) غير ملزمة بالنظام الأساسي وبالقرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن. كما أن بعض الدول الثالثة التي تمارس بشكل أو بآخر سلطتها على أشخاص ذوي أهمية بالنسبة إلى المحكمة (من شهود أو مشتبه فيهم)، قد ينظر إلى المحكمة نظرة الشك. أما العنصر الآخر المهم، فهو أن دساتير بعض البلدان في المنطقة وتشريعاتها الوطنية تتضمن حكماً يحظّر تسليم المواطنين. وهذا ما قد يجعل من عملية تسليم المواطنين للمحكمة أمراً معقداً من الناحية القانونية بالنظر إلى التشريعات الوطنية. وبالتالي، فإن القواعد: (1) تخوّل المحكمة الخاصة الدخول في اتفاقات بشأن التعاون القضائي مع دول غير لبنان. (2) وتشير إلى سبل ضمان التعاون في مجالات غير مجال توقيف المواطنين وتسليمهم (مثلاً جمع الشهادات، وتمكين الشهود من الإدلاء بشهادتهم عبر المؤتمرات المتلفزة أو إتاحة الإقامة الجبرية في المنزل للمشتبه فيهم أو المدانين، إلخ). (3) وتشير إلى إمكانية إجراء المدعي العام «ترتيبات» مع الدول بهدف تسهيل أنشطته في مجالي التحقيق والملاحقة (ويمكن، بطبيعة الحال، رئيس مكتب الدفاع إجراء ترتيبات مماثلة). وتلحظ القواعد أيضاً بعض التدابير الرامية إلى عرض تخلّف لبنان ودول ثالثة عن التعاون، فضلاً عن مجموعة من التدابير التي قد تقلل إلى حد ما مخاوف الدول من التعدي على سيادتها على نحو غير سائغ (راجع الجزء 6 أدناه). وفي هذا الصدد، جرى التمييز بين ثلاث فئات من الدول:


إذا لم يستجب لبنان لطلبات المحكمة أو لأوامرها، تنصّ القواعد على ردّ فعل على ثلاث مراحل

(1) لبنان الملزم بالتعاون مع المحكمة قانوناً، بموجب الاتفاق مع الأمم المتحدة وبموجب القرار رقم 1757 الصادر عن مجلس الأمن. (2) الدول الثالثة التي أبرمت اتفاق التعاون مع المحكمة أو التي تكون ملزمة بالتعاون على أساس آخر (مثلاً تشريع وطني اعتمد لهذا الغرض عينه). (3) الدول الثالثة التي إمّا رفضت صراحة إبرام مثل هذا الاتفاق وإما امتنعت على أي حال من القيام بذلك.
وفي حال عدم استجابة لبنان لطلبات المحكمة أو لأوامرها (الفئة 1)، تنص القواعد على رد فعل على ثلاث مراحل، أولاً يجري الرئيس مشاورات مع السلطات اللبنانية المعنية بهدف إقناعها بالتعاون. ثانياً، في حال الرفض المستمر للتعاون، يجوز لغرفة الدرجة الأولى (أو لقاضي الإجراءات التمهيدية، إن لم تبلغ القضية مرحلة الدرجة الأولى بعد) أن تنظم محضراً قضائياً تشير فيه إلى عدم التعاون. ثالثاً، يحيل الرئيس هذا المحضر القضائي إلى مجلس الأمن ليتخذ الإجراء المناسب. في المقابل، وفي ما يتعلق بالفئة الثانية من الدول (تلك الدول الملزمة قانوناً بالتعاون بموجب اتفاق تعاون)، تنص القواعد على أن يصار إلى اللجوء لآليات حل النزاعات المنصوص عنها في اتفاق التعاون.
وفي ما يتعلق بالفئة الثالثة من الدول (تلك الدول غير الملزمة قانوناً بالتعاون)، تنص القواعد على أن يجري الرئيس مشاورات مع السلطات المعنية للدولة بهدف تحفيز هذه السلطات على التعاون.


الأمم المتّحدة تتمسّك بالسرّية

تسلّم أول من أمس قلم المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري كتاباً من مساعد الأمين العام للأمم المتحدة المكلف بالشؤون القانونية ستيفن ماتياس، موجّهاً الى قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين بخصوص تسليم اللواء الركن جميل السيد مستندات تعود إلى لجنة التحقيق الدولية المستقلّة. وكان هذا الأخير قد طلب تسليمه مستندات تتيح له ملاحقة المسؤولين عن اعتقاله تعسّفياً لنحو أربع سنوات بناءً على توصية من لجنة التحقيق الدولية، غير أن ماتياس تمسّك بالموقف الذي كانت قد أعلنته رئيسة الدائرة القانونية في الأمانة العامة للأمم المتحدة في الأول من تشرين الأول 2010 الذي يشدّد على عدم جواز استخدام تقارير صادرة عن جهاز تابع للأمم المتحدة إلا بإذن منها. وجاء في كتاب المسؤول الأممي أن المستندات التي تسلّمتها السلطات اللبنانية من لجنة التحقيق تخضع للسرية ولا يجوز عرضها على الجمهور. وبذلك يتحدّى ماتياس مبدأ عرض الأدلّة أمام المحكمة حتى لو أمر القاضي بذلك.