عمر نشّابة

إنها ليست المرّة الأولى التي يتعرّض بعض المتحمّسين لفريق سياسي بوجه فريق سياسي آخر للوزير زياد بارود وربما لن تكون الأخيرة. إذ يبدو أن هؤلاء يستسهلون الهجوم على وزير شاب ليس محسوباً على طائفة أو مذهب أو حزب أو تيار سياسي. إنهم يستسهلون الاعتداء على وزير يحتكم إلى القيم الأخلاقية والأصول الدستورية دون غيرها. إنهم يستخفّون به، ربما لأنه لا ولن يتلفظ بكلمة يمكن أن تجرح مشاعر أحد أو تمسّ بكرامته.<
يعتقدون خاطئين أن الصفة التوافقية لوزير الداخلية والبلديات، تتيح لهم التحكّم بالمؤسسات التي يفترض أن تخضع لسلطته بحسب القانون. يظنّون أن من حقّهم احتساب مؤسسة من حصّة فريقهم السياسي مقابل مؤسسة أخرى يتّهمون فريقاً سياسياً منافساً لهم بالسيطرة عليها.
لن يدافع بارود عن نفسه، ليس لأنه لا يرى أنهم يستهدفونه شخصياً، فهذا شأن آخر، بل لأن هجوم هؤلاء ينال مما بقي من مؤسسات الجمهورية اللبنانية. فالدستور يمنح الوزير صلاحيات سياسية لا يمكن مديراً عاماً، لأي سبب كان، أن يصادرها منه. وبالتالي فإن واجب تصويب الأمور يقع على عاتق رؤساء الجمهورية ومجلسي الوزراء والنواب. أما الجانب الشخصي من الهجوم على بارود فلا يستحقّ الردّ.
بارود مقتنع أنه لا يجوز أن تصطدم قوى الأمن الداخلي بأي حزب أو تيار أو جماعة، إذ إن ذلك يصنّفها جهازاً يعمل لخدمة مجموعة من اللبنانيين على حساب مجموعة أخرى من اللبنانيين. الوزير الشاب على يقين بأن تحييد المؤسسة عن المناكفات السياسية يتيح لها مجال خدمة جميع المواطنين في جميع المناطق اللبنانية من دون عقبات التمييز والاستنساب. فقوى الأمن الداخلي مؤسسة عامة، واذا أراد البعض تخصيصها لفريق أو لطائفة أو لمذهب فلن تقتصر نتائج ذلك على شلّها عن مهماتها القانونية، بل ستتعاظم المشاكل الداخلية التي تعانيها المؤسسة عبر ارتفاع نسبة التشنّجات والكراهية بين ضبّاطها ورتبائها وعناصرها الذين يمثّلون نموذج التنوع في لبنان.
المدير العام يعرف جيداً مدى حرص الوزير على حسن عمل المؤسسات، لكنه يشعر بأن قربه من رئيس الحكومة يمنحه مكانة خاصّة. هل يجوز أن يستغلّ المدير العام ذلك عبر تصرّفه بوصفه مسؤولاً سياسياً مصادراً صلاحيات الوزير الذي يفترض أن يخضع له؟ هل يعتقد المدير أن تصرّفاته يمكن أن تخدم المؤسسة أم أنها تفاقم المشاكل وتزيد من التوترات القائمة خلال مرحلة يحتاج خلالها البلد الى تعامل هادئ ورصين مع الخلافات الداخلية؟
المدير العام يعلم أن الوزير يكنّ له ولمن يقف معه الاحترام، وهو لا يرى أن الخطوة التي قام بها، مخالفاً القانون والأصول، تنتــقص من الاحترام الذي يبادله إياه، بل يصنّف تصرّفاته دفاعاً عن النفس. لكن ألا يجعل ذلك من المؤسسة مجرّد لاعب في حلبة الصراعات السياسية؟ وألا تكرّس حماسة فريق سياسي للدفاع عن المدير عبر الهجوم على بارود اصطفاف مؤسسة قوى الأمن سياسياً؟