strong>ليال حداد

سامي كلارك. قد يكون هذا الاسم وحده كفيلاً باستحضار سَيل من الذكريات عند جيل كامل من اللبنانيين. من لم يرقص على أنغام Take me with you؟ أو من لم يحفظ كلمات «قومي تنرقص يا صبية»، و«قلتيلي ووعدتيني»؟ اسألوا الذين كبروا في سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته في لبنان، تسمعوا قصصاً كثيرة. يومها كان هذا الفنان اللبناني أشبه بظاهرة تحقّق النجاحات أينما حلّت. غنّى للحب والوطن والفرح «لكن ليس للأشخاص والزعامات» يقول.
أين هو سامي كلارك اليوم؟ كيف يقضي أيامه؟ ولماذا انسحب بهدوء عن الساحة الفنية؟ كل شيء في منزل الفنان الشهير في منطقة الرابية (شماليّ بيروت) يوحي بالحياة التي اختارها لنفسه وعائلته: بيت هادئ في منطقة راقية. أثاث أنيق وبسيط. لوحات رسمتها زوجته شيلا تتوزّع على جدران غرفة الجلوس. أما صور ولدَيه سامي جونيور، وساندرا، فتحتلّ مختلف زوايا المنزل.
يرفض الفنان الستيني «تهمة» الابتعاد عن العالم الفني: «لا أزال موجوداً، وأحيي حفلات في لبنان والعالم العربي». مع ذلك، يفصل كلارك بين مرحلتَين أساسيتَين في حياته: ما قبل عام 2000، وما بعده. قبل عشر سنوات، انقلبت المعادلة بنظره، بعدما دخلت الفضائيات على الخطّ «وبدأت تنشر الفوضى مع الإباحية في عالم الفن». يستدرك قائلاً إن توصيفه هذا لا ينطوي على موقف أخلاقي، بل ينبع من هاجس الأمانة للواقع.
بل يذهب أبعد من ذلك. إذا كان الشباب قد أضاعوا البوصلة الفنية، فإن المسؤول برنامج «ستار أكاديمي» لأنه «جرّد الفنان اللبناني من هويته، وروّج لضرورة ارتباط الفن بالشكل الجميل من دون الأخذ في الاعتبار الخامة الصوتية. باختصار، الفضائيات أسست لما يشبه الوباء في المجتمعَين اللبناني والعربي».
لكن قبل عام 2000 كان «الزمن الجميل». زمن بدأ عام 1970 حين طلب منه إلياس الرحباني المشاركة في أحد المهرجانات الفنية في اليونان. يومها، غنّى كلارك أغنية عنوانها jamais jamais وفاز بالمرتبة السادسة. وبعدها، توالت المهرجانات والجوائز، فشارك في أكثر من 14 مهرجاناً في مختلف أنحاء العالم بين 1970 و1988، وفاز بالجائزة الأولى في كل من ألمانيا (1979)، والنمسا (1980)، وبلغاريا (1981)...
هذه المسيرة نفسها تخلّلتها تجارب لا تعدّ ولا تحصى، أبرزها كانت تأسيسه مع مجموعة من الأصدقاء، فرقة robin's التي اشتهرت كثيراً بين الشباب وطلاب الجامعات في الستينيات وبداية السبعينيات. هكذا بدأ نجم هذا الشاب بالسطوع: صوت جميل، و«لوك» عصري، وتسريحة شعر شهيرة. صار سامي كلارك «أيقونة» المراهقين الذين استهوتهم الموسيقى الغربية.
سامي حبيقة المولود عام 1948 في بلدة ضهور الشوير المتنية، عاش طفولة هادئة. «كنت أحب الوحدة، وكنت منغلقاً على نفسي». اكتسب الطفل الخجول حب الموسيقى من والدته التي كانت تعزف على البيانو. أما والده، فكان عسكرياً في الأمن الداخلي «وكان الفن ضدّ مبادئه». ولعلّ إصرار الأب على ابتعاد ابنه عن الموسيقى، دفعه إلى دخول كلية الحقوق في «الجامعة اليسوعية». لكن بعد عامَين ونصف من الدراسة، «لم أجد نفسي في هذا الاختصاص». هكذا قرّر ترك الجامعة وتفرّغ للموسيقى وللمشاركة في المهرجانات العالمية مع إلياس الرحباني.
لكن قبل الانتقال إلى هذه المرحلة، لا ينسى كلارك منعطفاً أساسياً في حياته، هو التحاقه بالخدمة العسكرية الإلزامية حين كان في الثامنة عشرة. شارك في فرقة الموسيقى العسكرية، ولكي يتمكّن من متابعة نشاطه الفني مع هذه الفرقة، طالب بتجديد خدمته! يتذكّر كلارك تلك الفترة ويضحك من نفسه ومن طوباويته يومذاك: «كنت أظنّ أنني إذا حفظت النشيد الوطني، فسأمنع الحرب عن لبنان». واقتناعاً بنظريته هذه، تنقّل بين أكثر من مدرسة وقرية، معلّماً «كلنا للوطن» للأطفال. فعل ذلك على الإذاعة وفي «تلفزيون لبنان». لكن أحلامه ببناء «وطن سعيد» لم تتحقّق. على العكس، انهار كل شيء تحت القنابل، وعلى وقع أزيز الرصاص وصوت الرشاشات التي انتشرت في شوارع بيروت الحرب الأهلية. اليوم، لم يتخلّ كلارك عن اليوطوبيا الخاصة به. لكنّه ينظر إلى الأوضاع السياسية في لبنان بكثير من الحزن. «كلّ الزعماء الذين صنعوا الحرب، عادوا ليحكمونا، هل يعقل ذلك؟». لا يفصل الفنان الستيني بين الفن والسياسة، ويمتدّ غضبه على الأوضاع الحالية ليطال كل مكوّنات المجتمع اللبناني الحديث: من الترويج للثقافة المعلبة والمستوردة، وصولاً إلى الاصطفافات الطائفية والسياسية «التي لن تلبث أن تفجّر البلد كله إذا بقينا على هذه الحال!».
صاحب «موري موري» قام بمحاولات عدة لجمع الشباب تحت سقف جمعية تدعى «نيو ليبانون»، أسسها مع انطلاق الحرب. وقد تمكّنت من استقطاب أكثر من 14 ألف شاب، من شطرَي العاصمة المقسّمة وقتذاك. وحين قرّر أنّ يدخل البرلمان بعد انتهاء الحرب «وقف كثيرون بوجه طموحي ومنعوني». لا يدخل في تفاصيل إضافية عن تلك المرحلة، لكنّه يؤكّد أن هدفه لم يكن المنصب السياسي وما يحمله من امتيازات، بل إحداث «ثورة داخل البرلمان».
الثورة التي فشل في تحقيقها سياسياً، والتغيير الذي كان يطمح إليه في عزّ أيام الشهرة والمجد، تحوّلا اليوم إلى مكان آخر. يتفرّغ الفنان اللبناني للأعمال الإنسانية من خلال التزامه بجمعية «مار منصور» St Vincent de Paul حيث يعلّم الموسيقى أيضاً. لكن طبعاً لم يتخلّ عن إحياء الحفلات. هكذا أطلّ مثلاً في العام الماضي في سوريا إلى جانب ولدَيه اللذين يتعلّمان العزف والغناء. كذلك فإنه غالباً ما يتنقّل بين الدول العربية، وكندا وأميركا، لإحياء حفلات يعود ريعها لمهمات إنسانية، أو حفلات للجاليات العربية في دول الاغتراب.
في عام 2010، بعد أكثر من أربعين عاماً على انطلاقة مسيرته الفنية، ينظر سامي كلارك بعين الرضى إلى كل ما حقّقه: 712 أغنية، موزّعة بين اللغة العربية، ولغات أجنبية مختلفة، وأغاني الأطفال (هل تذكرون شارة «جزيرة الكنز» و«غرندايزر»؟). أما حلمه الأبرز الذي لن يرتاح قبل تحقيقه، فهو «تحقيق فكرة الوطن، الوطن الحقيقي لساندرا وسامي جونيور، وكلّ أبناء الجيل الجديد في لبنان». مراهقو اليوم يفتقدون سامي كلاركهم!



5 تواريخ

1948
الولادة في ضهور الشوير، المتن (لبنان)

1970
المشاركة الأولى في مهرجان عالمي في اليونان

1976
إنشاء جمعية «نيو ليبانون» التي ضمّت شباباً ضدّ الحرب الأهلية

2009
إصدار أسطوانة «عودة سامي كلارك» التي تتضمّن 17 أغنية من أرشيفه

2010
يعمل على كتاب عن سيرته، وCD يتضمّن أبرز أغانيه الإنكليزية