خليل صويلح

الطفل الذي ختم القرآن مرّتين، تنبّه فجأةً إلى كلام آخر. كان معلم المدرسة الابتدائية قد كلّفه بنسخ ديوان بدر شاكر السياب «أنشودة المطر»، نظراً إلى جودة خطه. هنا، اكتشف لغة ساحرة، لم يألفها من قبل. وحين أخذ يتردّد على مكتبة المركز الثقافي في مدينة الرقّة، كان أوّل كتاب يستعيره يحمل اسم صاحب «أزهار ذابلة». الأب الذي كان يحيي حفلات ذكر في المنزل، رغب في أن يكون ابنه صوفياً، فجعله يحفظ قصائد ابن الفارض. لكنَّ حالة الاستلاب الروحاني لم تدم طويلاً، فقد قادته روايات إميل زولا، وفيكتور هوغو، وروجيه مارتان، ودوستويفسكي، إلى الضفة الأخرى. ضفة الإلحاد. هكذا انتسب خليل الرز إلى «الحزب الشيوعي السوري»، خلال دراسته اللغة العربية في جامعة حلب.
بدايةً جرّب كتابة القصة، ثم هجرها إلى الشعر. عمل ممثلاً مسرحياً هاوياً، ليتوقف أخيراً عند ضفاف الرواية. في موسكو، حيث أكمل دراساته العليا في «معهد الاستشراق»، عاش منعطفاً حاسماً في تجربته الحياتية والإبداعية. تعرّف عن كثب إلى أعمال دوستويفسكي، وتورغينيف، وتشيخوف، بلغتها الأصلية. عكف طويلاً على ترجمة أعمال مجهولة لتشيخوف، لم يسبق أن نُشرت بلغة الضاد، لتصدر لاحقاً في مجلّدين عن «الهيئة العامة السورية للكتاب». يقول صاحب «غيمة بيضاء في شباك الجدة» مبرراً انحيازه «الأعمى» إلى تشيخوف: «لدي يقين تام بأنَّه لا يزال كاتباً معاصراً، وسيبقى أدبه أكثر أهميّةً من موجات أدبية كثيرة تتصدر الواجهات اليوم... هذا كاتب خارج الموضة». لا ينكر خليل الرز تأثره بدوستويفسكي «أهمّ روائي في حفر دهاليز النفس البشرية، ورسم الشخصيات الأدبية ببراعة غير محكومة بوجهة نظر أخلاقية... تعلمت منه هذا الجانب على الأقل».
لكن خريطته الأدبية ستتّسع أكثر، صوب ميراث غوستاف فلوبير، وجوزيف كونراد، ومارسيل بروست على نحوٍ خاص، لجهة الجملة المركّبة، والقدرة على بناء علاقات صوتية مبهرة. كأنّ هذا الروائي منقطع الصلة عن مرجعيات الرواية العربية. هو يعمل في منطقة مغايرة، من دون أن يراهن على «القارئ الدارج»، أو يعبأ بصفة «الضجر» التي تُتهم بها رواياته. «تعلمت أن أتقبّل كساد بضاعتي تلقائياً، كما أتقبّل ذباب الصيف. لكنّ استمراري في إنتاجها ليس عملاً استشهادياً بالتأكيد». هكذا يشير إلى «الضجر الأيديولوجي» الذي أرهق الرواية العربيّة، مدة نصف قرن، فإذا بها خارج المعادلة الروائية العالمية، تحت ذريعة البحث عن هوية خاصة بها. يعيد سبب هذا الإشكال إلى تغييب المكتبة العربية، أمهات الكلاسيكيات العالمية. «أيُعقل ألا تُعرَّب رواية بأهمية «عوليس» لجيمس جويس، إلا في الثمانينيات، فضلاً عن عشرات الروايات الكلاسيكية؟». ويضيف منفعلاً: «سيصعب عليّ في مثل هذا الظرف أن أتحدّر روائياً من شكيب الجابري، وروايته «قدر يلهو»، لمجرد أنَّني سوري. الريادات الروائية، كما أظن، لم يعد لها الآن غير قيمتها الأحفورية، إذا لم تكن قد أخذت في الاعتبار منجزات الرواية التي تحقَّقت قبلها لدى الأمم الأخرى. ويبدو لي أنه آن الأوان لإماطة اللثام عن المقارنة الظالمة بين «غابة الحق» لفرنسيس مرّاش، و«الأخوة كارامازوف» لدوستويفسكي أو «مدام بوفاري» لفلوبير أو «قلب الظلام» لجوزيف كونراد، ما دامت كل هذه الروايات في متناول يدي، وما دامت قد كُتبت في فترات متقاربة. وهذه المقارنة ضرورية كي لا تعني الريادة لي البدءَ من الصفر». هذا التبجيل للرواية العالمية، لا يعني أن صاحب «وسواس الهواء»، يدير ظهره كلياً لمنجز الرواية العربية. «هذه الرواية في أحسن أحوالها تتعلّم بناء نفسها، ولا شكّ لدي في وجود نصوص شديدة الأهمية، أسهمت في تأصيل هوية جديدة للرواية العربية، كمحصّلة لانتفاء الحدود بين كُتّاب العالم، أقلّه عبر الفضاء الإلكتروني».
يمضي خليل الرز سنوات طويلة في حياكة نصه الروائي، عبر تمارين شاقة، وبحث وتمحيص لالتقاط الجوهر العميق للتخييل. في روايته الأخيرة «أين تقع صفد يا يوسف؟» أعاد قراءة أعمال فناني النهضة، وتاريخ المحترف الأوروبي، كي يعلّق لوحة على جدار في غرفة إحدى شخصياته. كما لم يتردّد في استحضار شوارع بأكملها من حلب، ودمشق، وموسكو، إلى مدينة الرقة، وإذا بها تتنشق هواءً آخر، وتعيش مصائر مختلفة. «ليس ضرورياً أن يكون المكان الروائي نسخة طبق الأصل عن الواقع»، وفقاً لما يقوله باطمئنان.
من يعرف خليل الرز عن قرب، سيجد صلة قرابة واضحة بين سلوكه الشخصي، وأفعال شخصياته التي تعيش عزلة تشبه عزلته، وزهده في الشهرة. هو روائي الظل بامتياز. «لا أنتظر شكراً من أحد، المهم أن أعمل بجديّة وصمت». وحين نقول له إنّ رواياته عسيرة على الهضم بالنسبة إلى قراء كثر، يجيب «عملي يحتاج إلى قارئ طويل البال، وسيكون هذا القارئ سيّء الحظ بالتأكيد، إذا لم يكن قد قرأ تاريخ الرواية العالمية». لعلّ هذا الروائي يعيش حياة «السلمون الإيرلندي» وهو عنوان إحدى رواياته، في معاكسته التيار، والإبحار إلى الجهة المضادة، وفي رهانه الصامت على الزمن وحده، وسط غياب المواكبة النقدية الصارمة. يستشهد بروائي سوري استثنائي هو صدقي إسماعيل وروايته «العصاة»، التي يعدّها واحدة من أهم الروايات السورية، رغم وضعها على الرف في الكتابات النقدية.
نسأله عمّا يشغله هذه الأيام، يخبرنا عن رواية جديدة أنهاها للتو بعنوان «بالتساوي الممل». كأن الملل والضجر فلسفة لدى هذا الروائي، وهو يطهو عوالم شخصياته الغرائبية بوعاء فانتازي لا يكترث لما عداه. شخصيات نزقة تتجوّل في شوارع دمشق بذاكرة مستعارة من ساحات موسكو. «لا أفهم كيف أفخر بمسرح بصرى، والمسجد الأموي، وجوليا دومنا، والأفلاطونية الجديدة، ثم أعدّ الغرب، هو الآخر المضاد».



5 تواريخ

1956
الولادة في الرقة (سوريا)

1984
دراسة الأدب في «معهد الاستشراق» في موسكو

1994
روايته الأولى «سولاويسي» (دار الينابيع)

2008
ترجم مختارات من تشيخوف في مجلدين صدرا عن «الهيئة السورية العامة للكتاب»

2010
ينتظر صدور روايته «بالتساوي الممل»