اجتمعت الدولة برموز سلطاتها الثلاث، أمس، في قصر عدل بيروت. جاءوا للاحتفال بافتتاح السنة القضائية الجديدة. أطلقوا شعارات شبيهة بالتي أطلقت في العام الماضي، طالبوا بإبعاد القضاء عن السياسة، علماً بأن المتحدثين عن هذا المطلب في الاحتفال ليسوا سوى سياسيين وقضاة، فصحّ فيهم قول الشاعر... فيك الخصام وأنت الخصم والحكَم


محمد نزال، رضوان مرتضى
«أؤكد الحرص على أن تقوم سلطة قضائية مستقلّة كليّاً، قوية وقادرة وعصرية وحامية للحريات، كما كرسها الدستور»... كلمات قالها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان قبل أكثر من عام في حفل افتتاح السنة القضائية 2009 ـــــ 2010. وبعد مرور أكثر من عام، يبرز السؤال، ترى هل أدّى «حرص» الرئيس ومعه كل «الحريصين» إلى قيام سلطة قضائية مستقلّة كليّاً؟ الجواب، بكل بساطة، كلّا. هذا الجواب مستنبط من كلمة الرئيس سليمان نفسه، التي ألقاها أمس في حفل افتتاح السنة القضائية 2010 ـــــ 2011 في باحة «الخطى الضائعة» داخل قصر عدل بيروت. «ملتزمون متابعة السعي والحرص على أن يتمكن لبنان اليوم، وللسنوات المقبلة، من الاتكال على سلطة قضائية قوية، قادرة، عصرية، وحامية للحريات. فالحاجة تبدو أكثر إلحاحاً كي يحصّن القضاء نفسه من المحسوبيات السياسية والمصالح الشخصية والإغراءات كلها». هكذا تحدث الرئيس سليمان أمس، إذ لا جديد على ما طُرح في العام الماضي، فهذه هي عادة السياسيين في لبنان، يكررون أقوالهم بلا كلل أو ملل، بل يستنسخون العبارات نفسها أحياناً. في لبنان، لا تجد سياسياً واحداً إلا يدعو إلى إبعاد القضاء عن السياسة، فيما لو كانت لعدالة القضاء أن تتكلم وتشكو، لما شكت إلا منهم ومن «غزواتهم السياسية»، كما يحلو لرئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي غالب غانم، أن يُردد دائماً، وهو الذي لم يعد يفصل بينه وبين الإحالة إلى التقاعد سوى أسابيع.
داخل قصر عدل بيروت، أمس، كانت عقارب ساعة الحائط المعطّلة في باحة الاحتفال تشير إلى 10:45 فيما الوقت الصحيح هو الرابعة مساءً، موعد بدء حفل افتتاح السنة القضائية الذي تأخر نحو شهرين. وصل رئيس الجمهورية وجلس على كرسيه في الصف الوسطي، وإلى يمينه رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وإلى يساره رئيس الحكومة سعد الحريري. أما على كراسي صف اليمين، فجلس وزير العدل إبراهيم نجّار وعدد من الوزراء والسفراء والشخصيات السياسية. أخذ القضاة والمحامون أمكنتهم في صف اليسار، حيث جلس في المقدمة القاضي غالب غانم والمدّعي العام لدى محكمة التمييز القاضي سعيد ميرزا، وتوسطهما رئيس مجلس شورى الدولة القاضي شكري صادر، الذي تردد أنه المرشح الأبرز لتولّي منصب رئيس مجلس القضاء الأعلى بعد أسابيع خلفاً للقاضي غانم.

الرئيس سليمان: المجتمع الدولي لم يكن حازماً دائماً تجاه إسرائيل
في الكلمة التي ألقاها في الحفل، لفت رئيس الجمهورية إلى أن «العدو اليوم يتحيّن الفرص، لدسّ الدسائس وبث الشائعات وإثارة النعرات لتقويض الوحدة الوطنية وضرب الاستقرار واختلاق الذرائع بهدف تخريب لبنان»، داعياً إلى «التيقظ لقطع دابر الفتنة قبل اندلاعها، فلا ندع التاريخ يكتب أننا سمحنا بتمرير الفتنة في عملية تدمير ذاتيّ». وفي إطار حديثه عن العدالة، لفت إلى «اختلال ميزان العدالة في المنطقة منذ قيام إسرائيل، إذ لم يكن المجتمع الدولي حازماً في كثير من مواقفه تجاهها». تطرق سليمان إلى موضوع السجون في لبنان، الموضوع الذي بات طرحه «ملحّاً، كي تصبح السجون معبراً لإصلاح المجرمين والمحكومين وتأهيلهم»، متوجهاً أخيراً إلى القضاة بالإشارة إلى أن «الحاجة تبدو أكثر إلحاحاً كي يحصّن القضاء نفسه من المحسوبيات السياسية والمصالح الشخصية والإغراءات كلها، فإن مسؤولية استقلالية القضاء تبقى على عاتق القاضي، فضمان النزاهة يتجلّى بالقاضي الممارس لهذه الاستقلالية بجدارة وأمانة».
بدوره، ألقى وزير العدل إبراهيم نجّار كلمة أعرب فيها عن فخره بتقديم «ثمرة مسيرة إصلاحية دؤوبة تلامس الثورة الهادئة، ولو لم تتضّح في الإعلام كل معالمها بعد، لأن الإصلاحات تقدمت الى درجة كبيرة، رغم الظروف العامة المحيطة، وما تحملُه من شرخ وفرقة في السياسة، ورغم بعض القواعد الدستورية في تعيينات الفئة الاولى، والتي تجعلُ من بعض المراكز القضائية كأنها تعودُ لموظفين إداريين، خلافاً للمنطق القانوني». عرض نجّار بعض ما أنجزته بعض الهيئات القضائية، إذ حققت هيئة التفتيش القضائي، رغم حداثة عهدها، في 134 شكوى من أصل 208 منذ أيار 2010، وجُهّزت أخيراً لتلقّي شكاوى المتداعين. وعلى مستوى إعداد قضاة جدد، أشار نجّار إلى أن عام 2009 شهد تقدم 749 مرشحاً لدخول معهد الدروس القضائية، نجح منهم 15 من بينهم 4 من حملة الدكتوراه، كما تقدّم منذ أسابيع قليلة 374 مرشحاً فاز منهم 34 من بينهم 7 من حملة الدكتوراه. أيضاً، عُيّن قضاة أصيلون من بين 245 مرشحاً من المحامين نجح منهم 16، وقد أُلحق أو وُزّع كل هؤلاء القضاة الجدد فوراً، بعدما كان جرى تشكيل 109 قضاة جدد خلال 2009. ولفت نجّار إلى أن الهدف هو مضاعفة عدد القضاة بآفاق 2015، وبناء ما يستلزمه ذلك من مدينة قضائية وقصور عدل في بيروت والمحافظات، من جهة، وإنجاز برنامج المكننة في كل المرفق القضائي وما يحتاج له من مواقع وسجلّات تجارية وعمل أقلام، من جهة أخرى.
تبقى مشكلة التوقيف الاحتياطي والتأخير في بت المحاكمات إحدى أبرز المشكلات التي يعانيها المتقاضون أمام القضاء اللبناني، وفي هذا الإطار، أشار الوزير نجّار إلى أنه بالرغم من إنجاز قانون تحديد مدة التوقيف الاحتياطي، «من المؤسف فعلاً أن يبقى تسريع محاكمات الموقوفين بعيداً عن التنفيذ، رغم الخلوات والتوصيات، وخلافاً لما يقرّه القانون الصريح وتفرضه حقوق الإنسان ومبادئ العدالة، مع أن التعاميم قد صدرت مراراً، للحؤول دون ما يرافق هذا التباطؤ من اكتظاظ غير مقبول في السجون وتصدّع في المحاكمات»، مردفاً بالقول: إن «هاجسنا في ذلك ليس فقط سلامة السجون، بل وضع السجناء وحقوق الإنسان. سوف يوزّع قريبا دليل معاملة السجناء بعد أن أنجزت الدراسات والإحصاءات عن كلّ منهم. واستعداداً لانتقال مسؤولية السجون من وزارة الداخلية إلى وزارة العدل، رفعنا مشروع قانون لاستبدال مديرية السجون، الفارغة الآن من أيّ مضمون، بمديريّة عامة للسجون تعنى بقطاع السجون بكامله، بموازاة الخطط التي وضعت لأجل زيادة عدد السجون، في كلّ الأرجاء اللبنانية».
بدوره، ألقى رئيس مجلس القضاء الأعلى، القاضي غالب غانم، كلمة كانت بمثابة توديع للقضاة الذين سيفارقهم بعد أسابيع بسبب تقاعده، قبل أن يتطرق إلى موضوع «الإصلاح القضائي» قائلاً: «آن الأوان لإحداث قانون للسلطة القضائية المستقبلية، لقد أعددنا مشروعاً في هذا الخصوص وأصبح لدى المسؤولين». أخيراً، تحدث في الحفل نقيبة المحامين في بيروت أمل حداد، ونقيب المحامين في الشمال بسّام الداية، فتطرقا إلى مواضيع تتعلق بالإصلاح القضائي عموماً.


الزمان مُعطّل في العدلية


عند تاج باحة الخطى الضائعة في أعلى قصر العدل ــ بيروت، ثُبّتت ساعتان تُشرفان على الباحة الرئيسية. الزمان فيهما توقّف حيث حطّت رحال عقاربهما. الوقت فيهما يركن عند الساعة 10:45 رافضاً أن تتحرك ثوانيه قبل أن تُسرَّع المحاكمات ويُعطى كلّ ذي حقّ حقه. أما في الأسفل، فالمشاكل حُلّت والوعود تُقطع. رؤساء لبنان الثلاثة ووزير عدل وجمعٌ من القضاة يجتمعون تحت سقف واحد لمباركة سنة قضائية جديدة. عقارب الساعة في أيديهم تتحرّك. تحكي ألسنتهم عن قضاء مستقلّ يسعون نحوه. اللافتات المعلّقة تؤكّد ذلك، كما يفعل حضورهم الطاغي الذي أخفى أحد أبرز معالم القصر: تمثال الحقوقي الروماني جوستنيان. فقد شيّد المنظّمون المنصّة أمام التمثال الرمز، فأصبح متوارياً، ربما أرادوا تأكيد رغبتهم في إحقاق الحق. رغم الكلمات الحماسية، إلا أن الإضاءة الخافتة أضفت جوّاً من الكآبة. فأجهزة الإنارة ليست جميعها مضاءة، والموسيقى التي تشبه تلك التي تستعمل في أفلام الرعب كانت تصدح بها بعد كل كلمة، فترافق الخطيب إلى المنبر عند صعوده ونزوله.