سوزان جبور التي ناضلت طويلاً لمنع التعذيب في لبنان، سيصير لصوتها بُعد دولي، فقد انتُخبت أخيراً عضواً في اللجنة الفرعية الدولية لمنع التعذيب التابعة للأمم المتحدة، وهي تتحدث عن «إضاءات» وعن ثُغر لبنانية رسمية في هذا المجال، وترى أن المنظمات الأهلية فقدت جزءاً من صدقيّتها


أعدها: عبد الكافي الصمد
يوم الخميس الماضي، أي في 28 /10 /2010، انتُخبت مديرة مركز «ريستارت» لدعم ضحايا العنف والتعذيب سوزان جبور، عضواً في اللجنة الفرعية الدولية لمنع التعذيب، التابعة للأمم المتحدة، بعدما نالت في جلسة انتخاب عقدت لهذه الغاية في مدينة جنيف السويسرية، 36 صوتاً من أصل 55 صوتاً، المصوّتون هم ممثلو الدول الموقّعون على البروتوكول الاختياري لاتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة التعذيب.
انتخاب جبور جعل منها الشخص الأول من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تتبوأ هذا الموقع، إلى جانب القبرصي بتروس ميخاليديس، فلبنان وقبرص هما الدولتان الوحيدتان في هاتين المنطقتين المنضويتين تحت مظلة هذه اللجنة الدولية.
ترأس جبور منصب مديرة مركز ريستارت لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب، في فرعيه في طرابلس وبيروت، وقد التقتها «الأخبار» غداة تلقيها نبأ انتخابها من وزارة الخارجية اللبنانية، فأوضحت أنه «بموجب توقيع لبنان على البروتوكول المذكور في 22 /1 / 2008، بات يحق له ترشيح أحد الأشخاص المؤهلين لعضوية اللجنة، وهو الأمر الذي حصل في أواخر شهر آب الماضي، عندما رفعت وقتها وزارة الخارجية اللبنانية اسمي كمرشحة إلى اللجنة في جنيف».
لكونها ناشطة في مجال الدفاع عن ضحايا العنف والتعذيب في لبنان منذ سنوات، فقد أسهمت جبور في تأسيس مركز «ريستارت» عام 1996 لمراقبة هذه التجاوزات التي تقوم بها السلطات الرسمية في سجونها وأماكن التوقيف، وهي ترى أن «انتخابي مكسب للبنان بالدرجة الأولى قبل أن يكون مكسباً لي، وعليه فإن تمثيلي لبلدي سيجعل للبنان دوراً في هذه اللجنة الدولية، وخصوصاً أنه كان سبّاقاً في الانضمام إلى منظمات الأمم المتحدة، وقد أكسبه ذلك دوراً في أن يكون له موطئ قدم ضمن آلية عمل الأمم المتحدة، وهذا مكسب سياسي مهم له».
ولاية جبور ضمن اللجنة الدولية ستمتد إلى 4 سنوات، وقد تتراجع إلى سنتين، فبحسب النظام الداخلي للجنة ستجري بعد عامين عملية إسقاط 7 أعضاء فيها من أصل 20، على أن يُنتخَب 7 آخرون مكانهم، وإلى ذلك الحين فإن عمل جبور ـــــ في معظمه ـــــ سيكون خارج لبنان، إذ يُمنع لأسباب سياسية وأمنية وموضوعية أن يكلَّف أحد أعضاء اللجنة بمهمة داخل بلده، لذا ستُنتدب جبور من جانب اللجنة في مهمات تقصٍّ ومراقبة في الدول الـ55 الموقعة على البروتوكول، مثل وضع آلية لمراقبة أماكن احتجاز الأشخاص وتوقيفهم.
كيف عبرت جبور إلى الموقع الذي اختيرت له؟ الجسر نحو المنصب الدولي كان من خلال توقيع لبنان على البروتوكول المذكور، وهي ترى أن هذا التوقيع «يرتب على لبنان موجبات عدة، أبرزها إنشاء لجنة فرعية للجنة الدولية في لبنان، وهو أمر لم ينجز بعد مع الأسف».
هنا تواجه جبور معضلة تتمثّل في أنها تمثل بلداً لا يلتزم التزاماً كافياً بمعايير المنظمات الدولية في المجال الذي تعنى به، وسجلّه ليس ناصعاً، فكيف سيمكنها معالجتها؟ تشير جبور في هذا السياق إلى أنها تنظر بإيجابية إلى هذا الموضوع، وتوضح قائلة «سأسعى من خلال موقعي إلى الإضاءة على إنجازات أولية على هذا الصعيد، وإنْ لم تتخذ بعد مساراً جدياً من جانب الدولة، فقد أنشىء مثلاً قسم لحقوق الإنسان داخل المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بعد دورات تدريبية لعناصرها بإشرافنا، كما استُحدث قسم لمراقبة الانتهاكات داخل هذه المديرية، فضلاً عن استحداث قسم مماثل داخل الجيش اللبناني».
هذه «الإضاءات»، حسب تعبير جبور، هي «مكاسب ينبغي استثمارها لحثّ الحكومة اللبنانية على تنفيذ التزاماتها، ولكي أمثّل إضافةً ما لبلدي في عملي داخل اللجنة، لأنه خلال زياراتي إلى دول أخرى سأحمل معي نماذج جيدة عن لبنان في هذا المجال، وبالعكس سأنقل إلى لبنان تجارب الآخرين إليه»، لكن جبور تعترف من جهة


تواجه جبور معضلة تتمثّل في أنها تمثل بلداً لا يلتزم التزاماً كافياً بمعايير المنظمات الدولية في مجال مناهضة التعذيب

ممثلو الأمة في مجلس النواب وقّعوا على البروتوكول من غير أن يطّلعوا عليه
ثانية «وضعي يشبه أوضاع أشخاص عديدين آخرين داخل اللجنة»، لإيضاح هذه الفكرة، ترى جبور أن دولاً عدة توقع على المعاهدات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان والمعتقلين، من غير أن تلتزم بها، لأنها «تعدّ هذا التوقيع أحد عناصر دفتر الشروط لحصولها على قروض، أو لتبييض صفحتها صورياً، أو تأمين موقع ما لها على الخريطة الدولية».
وإذ ترى جبور أنّ «العبرة في توقيع لبنان على أيّ اتفاقية هو في تطبيقها»، تكشف أن «ممثلي الأمة في مجلس النواب وقّعوا على البروتوكول من غير أن يطّلعوا عليه، لأنه يفرض علينا شروطاً ينبغي أن نلتزم بها، ولأن التوقيع لا يزال مبكراً في بلد مثل لبنان، الذي لا تتوافر في سجونه المعايير المطلوبة بعد».
ومع ذلك لا تنكر جبور تفاؤلها وإنْ بحذر. فعندما تُسأل إنْ كان غيابها عن لبنان أثناء توليها منصبها الجديد سيجعل من يمارسون الارتكابات يرتاحون منها، تضحك قليلاً وترد: «هناك من يتابع الموضوع وفيهم الخير والبركة، أنا لست الوحيدة»، لكنها تلفت إلى أن هيئات المجتمع المدني «فقدت الكثير من صدقيتها بسبب تسيّسها وتطيّفها، كما أنها أصبحت جزءاً من تركيبة البلد مع كل أسف».
أخيراً، تعد سوزان جبور، وهي من بلدة أردة ـــــ قضاء زغرتا واختصاصية في علم النفس، إحدى الناشطات البارزات في مجال دعم ضحايا العنف والوقاية من التعذيب، بالإضاءة على وضع السجون اللبنانية وأماكن الاحتجاز فيها، ومعالجة الآثار النفسية والاجتماعية والصحية للموقوفين والمحتجزين وإعادة تأهيلهم، وعليه انتخبت في 20 ـــــ 21 /10 /2009 عضواً في الهيئة التنفيذية للمركز الدولي لتأهيل ضحايا التعذيب «ICRT».
لم يقتصر عمل جبور وأمثالها على اللبنانيّين فقط، بل امتد في السنوات الأخيرة ليشمل اللاجئين غير الفلسطينيين المقيمين في لبنان، لكون مركز ريستارت يعد شريكاً رئيسياً لمفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة في لبنان، إذ يعنى باللاجئين العراقيين الذين يمثّلون نحو 90 % من هؤلاء اللاجئين، فضلاً عن آخرين من جنسيات سودانية وصومالية وغيرها.


تلفت قراءة سيرة سوزان جبّور إلى أن نشاطها لمناهضة التعذيب في لبنان لم يقتصر على عملها في جمعية «ريستارت» لتأهيل ضحايا العنف والتعذيب. عضو اللجنة الفرعية الدولية لمنع التعذيب التابعة للأمم المتحدة، نالت ماجستير في علم النفس من الجامعة اللبنانية عام 1987. وقد شاركت منذ أكثر من عشر سنوات في عدد من البرامج المحلية والدولة لمناهضة التعذيب ومساندة وإعادة تأهيل ضحاياه، وهو نشاط امتدّ في عدد من الدول العربية.