ترك سوق الأحد القلعة في طرابلس إلى محطة التسفير عند مستديرة نهر أبو علي. لم ينتقل السوق وحده، فقد أخذ معه زبائنه المستعدين للحاق به «إلى آخر الدنيا». جاء قرار الانتقال بعد إعلان منطقة القلعة منطقة أثرية


طرابلس ــ فريد بو فرنسيس
أخلى سوق الأحد مكانه في محيط القلعة الأثرية في مدينة طرابلس. كأنه لم يكن قطّ. عادت الحياة إلى الهدوء بعدما انتهى صخب المتسوقين والبائعين إلى غير رجعة. هناك، عند المدخل الشرقي حيث كان، لم يترك السوق سوى أكوام النفايات المنثورة عند أطراف القلعة وضفتي نهر أبو علي، منتقلاً بناسه وصخبه إلى المكان الذي كان فيه سابقاً، إلى محطة التسفير عند مستديرة نهر أبو علي. قاصد المستديرة الأحد الماضي، عاش ما كان يعيشه أيام الآحاد في محيط القلعة حيث كان السوق: زحمة سيرٍ خانقة. أصوات البائعين. عجقة المتسوّقين المتعطشين لشراء سلعٍ رخيصة من السوق الأسبوعي. هكذا، باتت صباحات الآحاد في محطة التسفير، حيث لم يعد للهدوء مكان هناك.
«أهلاً بك، أنت في سوق الأحد». ترتفع هذه اللافتة عند مدخل السوق العائد إلى مكانه الأصلي بعد الغياب الطويل. اللافتة كافية لاجتذاب المتسوقين القدامى والجدد أيضاً. لا تقتصر زيارة سوق الأحد في مدينة طرابلس على المتسوقين، فكثيرون يقصدونه لـ«الكزدورة» ومشاهدة البضائع فقط. سواء أكان قاصد السوق متفرجاً أم متسّوقاً، لن يجد مفرّاً من صيحات البائعين ومناداتهم له أو مناداتهم على بضائعهم. من كل حدبٍ وصوب، تأتيك أصواتهم: «بألف ليرة القطعة، تعا تفرج يا بو العيلة». «قرّب على الطيّب يا طيّب». «يا بلاش قرّب». الحشرية ستدفع الكثيرين للاقتراب إلى حيث تلك الأصوات لمعرفة نوعية المنتجات التي تباع بسعرٍ زهيد. ليست الأسعار وحدها هي ما يدفع الكثيرين للتسوق من هناك، ففي هذا السوق يجد الزائر كل ما يحتاج إليه في زاوية واحدة.
قبل بضعة «آحاد»، كان السوق لا يزال يحتل جزءاً من محيط القلعة، إلا أن إعلان منطقة القلعة منطقة أثرية أدى إلى نقل السوق إلى مستديرة «أبو علي». في هذا الإطار، يشير علي السلو، رئيس مجلس المندوبين في اتحاد عمال ومستخدمي لبنان الشمالي، «إلى أن منطقة القلعة ومحيطها سيتحولان إلى منطقة أثرية، وخصوصاً مع قرب انتهاء أعمال التكية المولوية وتنظيف قلعة طرابلس الأثرية وإعادة تأهيلها وتنظيف مجاري نهر أبو علي».
«مصلحتنا أن تصبح طرابلس جنة عدن»، يتابع السلو. ولأن هذا هو المطلوب، «فنحن مع أي قرار يصدر لمصلحة المدينة، وقد وجدنا أن مصلحة طرابلس تقضي بنقل السوق إلى محطة التسفير عند مستديرة نهر أبو علي». يضيف: «هناك المكان أوسع، وفيه مواقف للسيارات، ما يريح الرواد والتجار والبلدية على حد سواء».


كل ما يخطر على البال موجود هنا، من أصغر قطعة إلى أكبر قطعة
ينتقل السلو من القرار إلى وصف السوق نفسه، فيقول: «هو سوق العيلة، نجد فيه ما لا نجده في أي مكان». يوضح السلو أكثر، قائلاً: «كل ما يخطر على البال موجود هنا، من أصغر قطعة إلى أكبر قطعة». يشبه هذا السوق معظم الأسواق الشعبية اللبنانية، إلا أن له ميزة خاصة. ويقول السلو: «ميزته الكبيرة هي تعدد الباعة وتنوع البضائع وزهد أسعارها».
انتقل السوق وفرح المتسوقون، لكن ماذا عن أصحاب البسطات والخيم الذين انتقلوا من مكانهم؟ عن هذا السؤال يجيب السلو، يقول: «لقد تجاوب هؤلاء مع عملية نقل السوق، وهم مرتاحون جداً نظراً لرحابته، وبالنهاية الناس لا يأبهون للمكان، وهمهم الأساسي اللحاق بلقمة العيش أينما كانت، سواء أكانت في القلعة أم في محطة التسفير». يؤيّد محمد الحميماتي، بائع النراجيل في السوق، ما يقوله السلو. يضيف: «لا أهمية للمكان، المهم الرزقة التي نعوّل في تحصيلها على إراحة الشاري وحضّه على الشراء بطريقة لطيفة». يشعر الحميماتي بالراحة في مكانه الجديد؛ «فهو أوسع، والمساحات فيه مريحة، إذ نستطيع بسط بضائعنا».
«وين ما بترزق إلزق»، تقول بائعة البزورات والكعك، جارة الحميماتي في السوق الجديد. البائعون ليسوا وحدهم من نقلوا العدة إلى السوق الجديد، فالمتسوقون القدامى أيضاً لحقوا بهم إلى المكان الجديد. لا يمكنهم التعويض عن سوقٍ يوفر لهم ما يحتاجون إليه، وأكثر من ذلك قد يلحق الكثيرون به إلى «آخر الدنيا، لا إلى محطة التسفير فقط»، يقولون.