أنسي الحاج

أوّل مرّة سمعت فيها عبارة «مدمَّر من الداخل» كانت قبل ثلاثة عقود على لسان عبده وازن، وكان فتىً في العشرين، والحديث على واحد من مشاهير صحافيي ذلك العهد. في فم الشاعر الشاب كانت «المدمَّر من الداخل» افتتاناً وإطراء، مع أنّها جحيمٌ لصاحب الشأن. أدهشني كيف ليافع غضّ أن يبصر غوراً غفل عنه أصدقاء ذلك الرجل وأهل سيرته. ولم يزل صاحب «سراج الفتنة» سبّاقاً إلى اكتناه المخبّآت الكاشفة، مع إحساس مبكر جدّاً بالمسؤوليّة حيال الإرث الأدبي العربي عموماً واللبناني خصوصاً.
ليست هذه بداية لتتمّة من نوعها. وريقات تتساقط من أشجار وراء السور، أشجار انعزاليّة، مهروب منها لهول جذورها المجدولة بذاكرة المجاهل ومتوالدة بلانهائيّات الأشياء وعوالمها المتناسلة تناسلاً فوضويّاً لا يقوى عليه غير الاستهتار. الاستهتار شكلٌ من أشكال المجابهة.
استطبتُ هذا التعبير، «المدمَّر من الداخل»، ورأيت في إغداقه نوعاً من وسام. أليس نبيلاً أن يغالب المدمَّر دمارَه ويحترف صناعة الأمل اليومي كما كان يفعل ذلك الصحافي؟
العلاقة بين الدمار النفسي والانتحار علاقة التقسيط والبديل. التدمُّر بالتقسيط كتأخير للموت. الحياة بجرعاتٍ مسمومة كبديل إمّا من قوّة الإرادة وإمّا من الانحلال الصاعق. هناك طبقة أخرى من أصحاب الدمار هم الفلاسفة: هؤلاء اختاروا أن ينقلوا أمراضهم إلى تلاميذهم. لا أتصوّر عاقلاً يخرج من مطالعة فلاسفة الإغريق سليم العقل. يحوّلون رأسه إلى ملعب فوتبول. لا تستطيع أن تُمسك فيلسوفاً بجملة مفيدة إلّا يُتبعها بجملة تنسفها. استمناء ليست غايته الاستغناء عن الشريك بل إقناع الشريك الطبيعي المسكين بأن يَتمزَّق.
هكذا يفعل زعماء لبنان بالذين يصغون لهم.
■ ■ ■
الذي يسمع خطباء الآذارَين يخيّل إليه أنْ ليس في لبنان قَتَلَة، وأنّ الدم لفظة طاهرة مجرّدة لم تلطّخ يد أحد من أولئك الخاطفين والقنّاصة والذابحين على الهويّة، وقد كانوا جحافل عند الفريقين. ليس الدفاع في 8 آذار عن أبرياء متّهمين زوراً بل الدفاع هو هجوم على مجرّد فكرة الاتهام. وفي 14، يبدو المتمسّكون بالمحكمة الدوليّة قدّيسين لا يهنأ لهم عيش بغير البِرّ والعدل والإحسان، وملائكة لم يسمع أحد منهم قبل اليوم بالعنف والجريمة. والواقع أن المحكمة في المطلق، والمحكمة الدولية في النسبي، شيءٌ أرقى بكثير ممّا تحتمله وحشيّتنا. رغم انحيازها إذا كانت منحازة ورغم تسيُّسها ومن الطبيعي أن تكون مسيَّسة. وهل جريمة قتل الحريري جناية عاطفيّة؟
الأسوأ في هذا المشهد هو انهيار الحدّ الأدنى. كأنّها معركة حياة أو موت. مزايدة في التهويل ومزايدة في المراوغة. مزايدة في التخوُّف ومزايدة في التبسيط. والكلام على خطط للمذابح والاحتلالات شرب أراكيل على الشاشات وفي الصحف. عادي. مذابح في طرابلس بين السنّة والعلويين. عادي. دخول الجيش السوري لوضع حدّ، كالعادة. عادي. السيطرة على الشمال وقمع الجعجعيّين قبل أن يتنفّسوا. عادي. باقي لبنان مكموش «ديجا» بقبضة «حزب الله». عادي. الجيش، الجيش؟ عادي.
مَن يسمع ـــــ وبعض المتكلّمين كالسفير السابق رئيس الاستخبارات الأسبق جوني عبده، مفروض أنه عارف أكثر من سواه ـــــ مَن يسمع يختبئ تحت الطاولة. نجّنا يا ربّ. أليس في هذا البلد الصنديد مَن يخاف؟ مَن يخاف الموت؟ أو، على قول السيّد عبده نفسه نقلاً عن صاحبه، أو، أن الذي يخاف من الموت يموت من الخوف؟ و«النكتة» كانت موجّهة إلى الأستاذ وليد جنبلاط. هل هذه هي كل الخلاصة من موقف جنبلاط؟ أنه خاف؟ طبعاً خاف. لا يخاف إلّا مَن يقدّس الحياة. يخاف على حياته ويخاف على حياة الدروز، ولم يَخَفْ أحدٌ على أحد غير جنبلاط في هذه الجوقات من المجانين والانتحاريّين. ومهما قيل إن في قاعدته مَن يعارض هذه الاستدارة، وهو كذلك وهذا دليل عافية، فعلى المدى البعيد سيذكر له الدروز هذه التضحية بما عُرف عنهم من وفاء. إن أفضل لبناني اليوم هو وليد جنبلاط لأنه خاف. ولو خاف الزعماء الآخرون لعاش شعبهم بألف خير. لما حوّلوا طوائفهم ومحازبيهم إلى نعاج تُذبح عند «الحاجة» أو إلى مرتزقة لا بدّ من إفسادهم لضمان ولائهم. خاف جنبلاط على الدروز وخاف على الباقين رغم ملاحظاته عليهم. لأن الدروز إذا سلموا وحدهم فلا فائدة ولا بدّ لهم من الآخرين. هكذا منذ البدء. لم يجبرهم أحد على استحضار الموارنة من الشمال في عهد فخر الدين مهما قال بعض «المؤرّخين» إنّ فخر الدين خدعة مارونيّة. والصحيح هو العكس على الأرجح. لا نقول إن الموارنة هم خدعةٌ فخر الدينيّة بل إنّ اشتراكهم مع الأمير الدرزي في السلطة وتشكيلهم درعاً له ضدّ السلطنة العثمانيّة وفي معاركه لتوسيع حدود الإمارة واختراع لبنان الحديث والولاء له، ما كانا ليحصلا لولا دهاء الأمير ورؤياه الخلّاقة. وبقدرِ ما تمورنت سياسة فخر الدين الانفتاحيّة على أوروبا وبالتحديد توسكانا، تدرّزت عادات الموارنة بحكم تعايشهم مع الدروز. واستمر حكم الدروز من خلال الموارنة وليس العكس.
بشارة الخوري كان درزيّ النمط مثله مثل جميع الرؤساء الذين تحدّروا من الشوف وعاليه. كميل شمعون «الغربي» لم يكن في الواقع أكثر غربيّة من فخر الدين ولا من المير بشير. بل أقلّ. كلّ ما في الأمر أن الزمن الناصري صوّره عدوّاً للعروبة في حين لم يكن إلّا خصماً دفاعيّاً للناصريّة وامتداداتها الاستخباريّة السوريّة الدمويّة في عهد عبد الحميد السرّاج. فؤاد شهاب لم يَخُن دمه الشهابي. شارل حلو تعايَشَ حتّى الذوبان. الياس سركيس تعايش بالنيابة عن الجميع وحتى الموت قهراً. إذا كان فخر الدين قد علّمَ اللبنانيين، كما يقول فيليب حتّي، معنى المصير، فإن التعايش الماروني ـــــ الدرزي قد خطّ لسائر اللبنايين دربَ التعايش ورسَمَ لهم قدوةَ الحكم الوطنيّ في خضمّ التعدديّة. وانكسار المعادلة المارونية ـــــ الدرزيّة بعد حرب الجبل والتهجير عام 1984 أصاب العافية الوطنيّة بخلل لم تزل تعانيه.
■ ■ ■
شطحنا بعيداً. كنّا في الفتنة... في الجبل، يوم كان لبنان هو الجبل، كانت حماية السلم الأهلي معقودة على حكمة الموارنة والدروز. اليوم أصبحت معقودة على السنّة والشيعة. تتغيّر الواجهات ويبقى المحتوى. مجتمعُ تنازلات قهّارة. هنا يقف حقّ القوّة وحَرْفيّة القانون لتبدأ تضحية الجبابرة الحقيقيّين.
■ ■ ■
الواقع هو الآتي: سواءٌ كان «حزب الله» مرتكباً أو بريئاً فخطابه لا يمكن أن يكون إلّا الخطاب الراهن. لا يستطيع التراجع. إذا كان من حلّ فالمطلوب هو من الممكن لا من المستحيل. لا يستطيع «حزب الله» أن يتراجع عن موقفه إلّا بمعجزة. مسؤوليّة التراجع ـــــ لا التراجع عن المحكمة بل عن التمترس السياسي والنفسي وتوظيف الهواجس والتوهُّم بالمساندة الدوليّة، والانعطاف نحو المصالحة الوطنيّة الحقيقيّة التي لا تُترجم بحكومة هزليّة كهذه بل بغسل القلب الشعبي المترع بالحَذَر والبغض ـــــ هذه المسؤوليّة تقع واقعيّاً على 14 آذار. يجب أن يتحوّل السباق بين الفريقين إلى مَن ينقذ لبنان أوّلاً. فوق عدالة معاقبة قَتَلة الحريري وسائر الشهداء ـــــ ويجب أن يعاقَبوا ـــــ هناك رحمةُ الحفاظ على البلد.
وبقَدْر ما على 14 آذار التضحية، على «حزب الله» التضحية. «وما العمل؟» يقول الحزب، «هل أستسلم لمَن يريد رأسي؟». طبعاً لا. الجواب: اكسبْ أهل بلدك جميعاً لتتصدّى بهم ومعهم جميعاً لمَن يحاول اصطيادنا جميعاً. استمِلْهُم بالتواضع والرضى والشفافيّة وبالعدل النفسي قبل أي عدل آخر. لا تدع اللبنانيين ينافقون لك كما كانوا ينافقون للأوصياء السوريّين. الذي يهابك عن خوف سينقضّ عليك في أوّل فرصة. وإذا كانت القوّة مَجْلَبة للفتنة فهي قوّة عليك وليست لك. نحن جميعاً، كنّا وما زلنا، ضحايا لجلّادين.
ويجب أن لا يرضى حزب شيعي قويّ لنفسه ما كان يرضاه لأنفسهم شركاؤه في الوطن قبل أن يدفعوا ثمنه خسارةَ كلّ شيء.
■ ■ ■
إن لم نكن كلّنا نعيش حياتنا بيأس هادئ، على تعبير أحدهم، فلأن بعضنا يعيشها بتذاك مغرور وبعضاً آخر باستغلال بارد لذلك اليأس وهذا التذاكي.
اللبنانيّون اخترعوا من اليأس رجاء، وقبل المعادلات الفلسفيّة أسّسوا على العبث انبعاثاً. لم يتعب محتلّوهم ولا زعماؤهم من استغلال طيبتهم واستحلاب خيرات صبرهم وامتطائهم لعقد صفقات هلاكهم.
كنّا على الدوام نتلقّى الضربات، وعندما تأتي الهدنة نعاود الحياة كأنَّ شيئاً لم يكن. كنّا نسمّيها معجزة الفينيق اللبناني. كأنَّ شيئاً لم يكن. وهي بحقّ معجزتان: معجزةُ الحياة الأقوى من الموت، ومعجزةُ الغباء الأقوى من الوعي. لو ثرنا مرّة، مرّة واحدة، على نمطنا الأسطوري لربّما كنّا قطعنا حبل السرّة مع هذا القَدَر الرهيب المملّ.
والآن نرانا أقرب، بكلامنا الطوباوي، إلى التخريف. كأنّه يأسٌ هادئ بانتظار مَن يحوّله إلى صخب اليأس. حتّى اللحظة شعبان يتواجهان بتوازُن كراهية.
الحياةُ مرصودةٌ كتلك الفتاة على جسرِ القمر.
والبحثُ عن صوتٍ يقول للشعبين: مَسّيكُنْ بالخير...