وسام كنعان
يصف محمد الماغوط مدينته السلميّة بـ«الطفلة التي تعثرت بطرف أوروبا، وهي تلهو بأقراطها الفاطمية، وشعرها الذهبي»... تشبه سلافة معمار، ما كتبه الشاعر السوري الراحل، عن مسقط رأسه. حين التقيناها في «مقهى شكسبير» في أحد الفنادق الدمشقيّة الفخمة، بدت الممثلة الشابة في أفضل حالاتها. بعفويتها المعتادة، وروحها الطفوليّة الحاضرة دوماً، لم تجد معمار صعوبة في الكلام عن ذكرياتها الحميمة...
بدأ كلّ شيء من دار عائلتها في حي الفحامة في دمشق. خزانة البيت، كانت ملجأ أحلامها. في الثمانينيات، كان بيتهم يطل على بساتين خضراء، تعانقها إطلالة جبل قاسيون. هناك تربّت سلافة، وآثرت أن تقضي أوقاتاً طويلة وحدها، ترسم وتلوِّن، وتستمد لوحاتها من عناق قاسيون للياسمين الدمشقي. أما أوقات الفراغ، فكانت تقضيها مع النمل! كانت تراقب اجتهاد المخلوق الضعيف، وتحاول أن تتعلم منه أشياء، لم تدرك يومها ماهيتها. «رافقني الرسم منذ الطفولة، لكنني كنت أجيب دائماً عن سؤال مهنة المستقبل، بكلمة طبيبة».
لفتت لوحاتها التشكيلي السوري الكبير فاتح المدرس (1922 ـــــ 1999). أراد لها أن تصبح فنانة تشكيلية، فالتحقت بمعهد «أدهم إسماعيل للفنون التشكيلة»، بتشجيع من الأهل. الفارق العمري بينها وبين شقيقيها، جعلها خارج محور أحاديثهما. كان ملاذها الآمن حضن والدتها التي نسجت مع ابنتها الصغرى صداقةً حميمة. في أحد الأيام، دخلت مشرفة رقص الباليه على الحصة الدراسية، لتسأل عن فتيات يردن الانتساب إلى فرقة الباليه، فكانت سلافة أولى المتقدمات لتشارك الفرقة المدرسية في «مهرجان الطلائع». «كانت تلك المسابقة بمثابة نقلة نوعية في تكويني. سافرنا إلى محافظة الرقة شمال سوريا، وكانت الإقامة لدى عائلات كردية مضيافة. في الليلة الأولى، أقمت عند عائلة بعيدة عن تلك التي أقامت عندها صديقاتي. بكيت حتى الصباح، فما كان من المشرفين إلا أن استجابوا لطلبي، ونقلوا إقامتي إلى حيث أريد». بعد تلك الرحلة «الاستكشافية»، عادت سلافة إلى العاصمة، إنسانة جديدة، تضج بالحيوية والصخب.
حبها الأول جاء على منوال تقليدي: ابن الجيران يسترق النظر على درج البناء، ثمّ يلاحقها على طريق المدرسة كحارس شخصي. بعد ثلاث سنوات، وجدت نفسها غير قادرة على مجاراة الشقاق الفكري مع شريكها، البعيد كل البعد عن مفاهيمها للحياة. في سنوات المراهقة، كان نجمها المفضل بسام كوسا، وقد تمنت طويلاً أن تؤدّي دور حبيبته. وهذا ما حصل فعلاً، في مسلسل «الانتظار» الذي وقّعه الليث حجو. كانت تعشق الممثلتين السوريتين سمر سامي، ومنى واصف، والنجم الأميركي توم كروز، وتعلّق صوره في غرفتها، لكنّ النجمة التي أوصلتها إلى حدّ الهوس، بقيت ميريل ستريب من دون منازع. جمعت الممثلة السورية أفلام النجمة الأميركية وتابعتها بدقة. «رحت أراقب التفاصيل الفنية، ومراحل تطور الممثل...».
الخيبات في حياة معمار كانت قليلة، ربما لأنها الابنة المدللة في عائلتها، لكن الانكسارات بدأت مع دخولها معترك المهنة. تلقَّت خيبتها الكبيرة، عندما اختارها شيخ المخرجين السوريين هيثم حقي، لدور رئيسي في مسلسله «الأيام المتمردة». يومها، بدأت تتلقّى التهاني لحصولها على الدور، لكنها فوجئت قبل أيام من بدء التصوير بالاستغناء عنها، لمصلحة ممثلة أخرى، «تركت الحادثة أثرها عميقاً في داخلي، حتى إنّني هجرت دمشق في رحلة اصطياف، لتجاوز الصدمة. وتجاوزتها بصعوبة، بعد إحباط شديد».
اسم مقهى «شكسبير» حيث تبادلنا أطراف الحديث، أعادنا إلى خيار معمار الخاطئ في دراسة الأدب الإنكليزي. ذهبت إلى «كليّة الآداب» بناءً على نصيحة العائلة. في «جامعة دمشق»، درست لغة شكسبير سنتين، لكنّها أصرت في امتحانات إحدى المواد على كتابة رأيها الشخصي في أوديب. رسبت أكثر من مرة، لتكتشف لاحقاً أنّ المطلوب منها حفظ رأي الأستاذ، وإعادة كتابته كما هو. هنا قررت الابتعاد كلياً عن دراسة الأدب الإنكليزي، والتحقت بـ«المعهد العالي للفنون المسرحية». هناك خبرت المتعة بأعلى مستوياتها. «رغم أن التفوق لم يكن يعنيني، لكنني تفوقت أثناء دراستي في المعهد، بسبب انسجامي المطلق مع دراسة الفن».
عن الخشبة، انطلقت موهبة سلافة معمار، من «كسور» لغسان مسعود إلى «صدى» و«فوضى» لعبد المنعم عمايري... في كواليس العروض المسرحية، كانت تصيبها رغبة عارمة في الهروب. «ما زلت أشعر في تلك اللحظة بأنني مقدمة على الانتحار، وبقدر ما كانت اللحظة توتّرني، بقدر ما كانت تمتعني». تعرّف الجمهور والوسط الفني السوري إلى ممثلة جديرة بالتقدير، إلى أن توّجها مسلسل «زمن العار» (2009) لرشا شربتجي، على عرش النجومية. شخصية بثينة في المسلسل الذي كتبه حسن سامي يوسف، ونجيب نصير، مثّلت نقطة تحوّل في مسيرتها.
أوكلت الممثلة الشابة أخيراً، المسؤوليات التي تجدها عبئاً عليها لمديرة أعمالها، لتتولى تنظيم ظهورها الإعلامي، وتكون شريكةً في خياراتها الفنية...«في رأيي، يجب علينا التفرغ لعملنا كممثلين، لتأخذ المهنة شكلاً احترافياً». في هذا السياق، راحت معمار تبحث عن نجاح يوازي نجاحها المدوّي في «زمن العار»، فاختارت في الموسم الأخير، مجموعة أدوار وفِّقت في معظمها، مثل دورها في «ما ملكت أيمانكم» لنجدة أنزور. وفي الوقت الحالي، تصوّر دورها في مسلسل «الغفران» لحاتم علي، وتستعدّ لتجسيد دور البطولة مع النجم بسام كوسا في مسلسل «إنفلونزا الطيور» الذي كتب نصه الثنائي نصير/ يوسف وسيخرجه مروان بركات. كما كانت من بين المكرّمين في افتتاح «مهرجان دمشق الدولي السينمائي» أول من أمس...
بعيداً عن أجواء العمل، نسجت سلافة قصة حب مع الممثل والمخرج السوري سيف الدين السبيعي، لتكون ثمار زواجهما صداقة دائمة، وشوق مستمر، يعمّقه الانشغال الدائم، وطفلة اسمها دهب.



5 تواريخ

1976
الولادة في دمشق

1999
تخرّجت من «المعهد العالي للفنون المسرحية» في دمشق

2000
أدّت دوراً أساسيّاً في مسرحية «كسور» لغسان مسعود

2009
جسّدت دور بثينة في «زمن العار»، ونالت عنه جائزة «أدونيا» كأفضل ممثلة سورية

2010
تجسّد دور البطولة في مسلسل «الغفران» لحاتم علي، وتستعد لبطولة «إنفلونزا الطيور» لمروان بركات