عندما تقولين لسائق السرفيس «شارع بلسّ عموّ؟» يكون اتجاهك معظم الأحيان الجامعة الأميركية. فما هي علاقة الجامعة مع محيطها المباشر، وما هو دور الحرم في المساحة المدينية؟ وعلى الصعيد السياسي، ما هو دور هذه المؤسّسة «كمخلوق» استعماري؟


جنى نخال*
عبر شارع مار إلياس المزدحم، يتقدم السائق في شارع الجزائر صعوداً الى تلّة الدروز، نزولاً الى البريستول وتبدأ الحمراء. زحمة بربر والغلاييني في أي ساعة من النهار. شارع الحمراء الرئيسي، شارع عبد العزيز نزولاً. هنا تبدأ بالظهور، شيئاً فشيئاً تأثيرات الجامعة الأميركية في بيروت. ما أمر هذه الجامعة بطلابها وأساتذتها؟ كيف تتعامل مع باقي المدينة وهي التي تبدو مجتمعاً مصغّراً فيها؟ ولماذا؟
يصدم معظم الطلاب غير الآتين من طبقة ارستقراطية أو بورجوازية (وهم من توحي إدارة الجامعة كأنها تريد منعهم من دخولها عبر سياساتها الحالية) عند دخول الجامعة. إذ إنّ لغة زملائهم ومظاهرهم وعاداتهم وأماكن تسليتهم بعيدة عما يعرفونه عن بيروت. فقليلاً ما يتكلّم هؤلاء العربية، ولا تقولوا لي إنكم لا تستطيعون معرفة «طالب|ة AUB» من على بعد 50 متراً من مظهره|ها. فوق ذلك، أماكن وجودهم في المدينة معروفة ويتكلم العاملون فيها الإنكليزية لتسهيل الأمور على الطلاب. إن مناطق كالكولا، حي اللجا، الضاحية، أو حتى الجنوب غير معروفة للكثيرين بينهم. «c’est ou bourj brajneh?» (أين هي منطقة برج البراجنة؟) تسأل فتاة صديقتها (وللغة الفرنسية نظرة خاصة أيضاً). تنظر الطالبة الآتية من ثانوية الزيدانية الرسمية للبنات ـــــ والتي استطاعت دخول هذه الجامعة لحصولها على منحة كونها حلّت الأولى على صفها بعد تعب ومقاومة ضغط أمها للزواج بشغّيل اللحام ـــــ تنظر الى الفتاة ومن معها وتتساءل: «من أنتم؟». تبدو المدينة للكثير من طلاب الجامعة كبقع مضاءة وأخرى مظلمة، أماكن يرونها ويعترفون بوجودها، وأخرى غائبة عن وعيهم وخريطتهم. علاقتهم مع المدينة زائفة وديناميكية تعاملهم مع من هم من خارج طبقتهم الاجتماعية محكوم بمقاربة فوقية. لننظر مرة أخرى إلى المنطقة المحيطة بالجامعة جنوباً: شارع بلسّ ونزلة عبد العزيز وجان دارك والمكحول الخ... معظم المحال لا تقدّم فقط خدمات خاصة للجامعة من سكن وثياب وأكسسوار وأماكن تصوير وطباعة ومطاعم. بل إن «جو» الجامعة قد فرض طابعاً خاصاً على هذه الأماكن. فعلى موظّفي المحال التكلّم بالإنكليزية، واتّباع «لايف ستايل» طلاب الجامعة. فأين تجدين في بيروت محالّ تبيع ثياباً هندية أو مطعماً نباتياً؟ في شارع بلسّ وجان دارك مثلاً، عمّال محال الطباعة (التي يقضي فيها طلاب العمارة والرسم الغرافيكي وغيرهم وقتاً أكثر مما يمضونه مع أمهاتهم) لهم وجوه لا تحفظها ذاكرة الطلاب، فهؤلاء هم أشخاص مجبرون على التعامل معهم إلى أن «الله يفرجها ونتخرّج». «وجودهم» أو «تفاعلهم» الحقيقي يحصل داخل أسوار الجامعة. «من البيت الى الجامعة، ومن الجامعة إلى البيت» هي طريقة تعاطيهم مع المدينة والناس من حولهم، وهذا الامتياز تؤمنه لهم أسوار الجامعة وحراسها من جهة، وقسط الجامعة من جهة ثانية.
ولا تظنّنّ أن الأساتذة والإدارة غير معنيّين بحالة الطلاب وانفصالهم عن مدينتهم. فبعيداً عن بعض الاستثناءات، يبدو المظهر العام للإدارة والمعلّمين، مشجّعاً لثقافة الانسلاخ عن الداخل والتشبّه بالغرب وعدم الاهتمام بالوضع العام في لبنان. ففكرة السفر والهجرة مثلاً وعدم توافر فرص عمل تعالج دون نقد أو فهم، كواقع مقبول وطبيعي ومن الأجدى الاستفادة منه. هكذا، يؤثر وجود الجامعة على محيطه، يفرض شكلاً خاصاً من الخدمات والتصرفات، من دون أن يتأثّر أو يتفاعل معه. يقف شابان وفتاة مقابل باب الجامعة أمام محل المناقيش. السيارات تتوقف دون انقطاع، تطلب الفتاة بلكنة إنكليزية «منقوشة كشك». يتعجب الشاب: «شو يعني كشك؟». يحاول الشاب الآخر والفتاة التفسير بلغتهما العربية «المكسّرة». فتختم الفتاة بصعوبة: «شو بيعرّفني. شي بيج (beige) مع لحمة». لم أستطع أن أخفي ضحكة. بالحقيقة، لم أرد أن أخفيها وأنا أنظر إليهم متسائلة «من أين جئتم؟».
هي علاقة أحادية الجانب، ضمن تركيبة قوى غير عادلة: يفرض الطلاب ذوقهم على المنطقة، ولا يأخذون شيئاً منها. فكم من واحد بينهم جاء من خارج بيروت والتقط مثلاً لهجة أهل رأس بيروت التي ما زالت تسمع في أحاديث سكّان شارع جان دارك والمكحول المسنّين؟
أما المنطقة المحاذية للجامعة شمالاً، وهي كورنيش المنارة فوضعها مختلف. تسألين معظم مرتادي الكورنيش عن هذه المباني والمساحات الخضراء المجاورة للبحر (الجامعة) فلا يعرفون ما هي. «شي مدرسة» أو «بنايات، عادي» أو «والله ما بعرف، ولا مرّة انتبهت». حتى سائق السرفيس، يأخذك إلى «عمود الجامعة» دون أن يعرف أنه يوصلك إلى أحد مداخل الجامعة الأميركية.
لقد تنبّه المفكّر الناقد للاستعمار فرانز فانون إلى دور من سمّاهم «مفكّري البورجوازية الكولونيالية» في الجامعات ومحاولاتهم الدؤوبة لتثبيت «قيم الغرب الأساسية». ويؤكّد أن زوال الاستعمار مرتبط «بتحوّل المفكّر الأصلي إلى ناسه، وتحوّل حامي (الاستعمار) المزيّف إلى غبار». كما يصفهم بقوله إنهم يتصرّفون دائماً «كوصولييّن»، يستعملون الشعب وتجاربه وثقافته لمصلحتهم ولا ينفكّون يكملون عمل المستعمر واستغلاله.


يأخذك سائقالسرفيس إلى «عمود الجامعة» دون أن يعرف أنه يوصلك إلى أحد مداخل الجامعة الأميركية

لا نقصد وضع كلّ ما تفعله الجامعة موضع تساؤل أو اتهام، لكن وجود مؤسّسة كهذه يتطلّب منّا التفكير في دورها وتأثيرها. إن الجو العام يصوّر الجامعة الأميركية كمؤسسة تعليمية فحسب. وهي نظرة «بريئة» إلى الأمور يجب إزالتها لمعالجة الحالة من منطلق سياسي: ما هي طبيعة التعاطي بين المدينة والجامعة في ضوء مقاربة تأخذ بالاعتبار قوى الاستعمار وأهل البلاد ودور كلّ منهما؟
فالجامعة عامل مسرّع لتقبّل أفكار وأذواق ومفاهيم يسوّقها الاستعمار. ويبدو هذا واضحاً في «السلطة» التي يملكها أساتذة الجامعة، والذين تنزل آراؤهم في النقاشات التلفزيونية مثلاً كفتوى على الشعب المبهور بأنبياء الحداثة والحضارة. وفي ظلّ التعلّق العام بالمظاهر و«البريستيج»، تمثّل جملة «متخرّج|ة أو أستاذ|ة في الجامعة الأميركية» غطاءً لكل أنواع التحليلات وتفرض رأياً دون نقد.
وفي المناسبة، ستظهر الأربعاء المقبل أشكال المنافسة على انتخابات تمثيل الطلبة. ستظهر اصطفافات سياسية وينجح طرف أو يتعادل الطرفان. بعد الانتخابات، ستعود الأمور إلى ما كانت عليه، وتبقى الجامعة الأميركية على حالها من الانعزال، ويبقى الطلاب والأساتذة غريبين حتى عن موظفيها وعمّال الصيانة والتنظيف. أعتقد أن الوضع مناسب لتغيير الواقع وقواه، إعادة تعريف دور الطلاب وعلاقتهم بجامعتهم ومحيطهم.
* مهندسة تنظيم مدني


فضاء بلا ناس

على كورنيش المنارة، يمثل حرم الجامعة الأميركيّة فراغاً في واجهة منطقة تعجّ بالناس والذكريات والحركة. وكأنه يقص مساحة من خريطة بيروت ويبقيها بيضاء، يفصلها عن محيطها وناسه. لنقارن قليلاً ما يحدث على الكورنيش، مقابل الجامعة من جهة البحر، مع ما يحدث مقابل مبان أخرى في المنطقة ذاتها. لو مشينا قليلاً غرباً، أي صوب منطقة عين المريسة، لرأينا أن حركة الناس وزحمة السيارات هناك كبيرة، وذلك نتيجة وجود «آنكل ديك» وباقي المقاهي التي أصبحت محجة المتنزّهين على الكورنيش. لقد خلقت هذه المساحة من الحركة والتفاعل ما لم تقدمه واجهة الجامعة الأميركية لمن هو|هي من خارج الجامعة. بل على العكس، لقد خلقت واجهة الجامعة على البحر نوعاً من فضاء عاقر لا يحتمل أي تعاط مع الناس ولا يسمح بخلق علاقة حيوية مع المدينة.
فلا يستطيع المتنزهون إلّا النظر إلى التلة الخضراء التي تعلوها الساعة، والتحسّر. لقد قدّمت المدينة للجامعة أكثر بكثير ممّا قدّمت الجامعة
للمدينة.