لم يبتعد أحمد عباس يوماً عن بلدة القنطرة. ظل قريباً من وادي الحجير. وشهد الرجل الستيني «معادلة الليطاني». هكذا يصف واقع المنطقة، التي لامس لحظاتها بشغف، وعايش تفاصيل أحداثها، لافتاً إلى أن تلك «المعادلة» اكتملت بشقّها المقاوم، فيما لا يزال الحلم يراوده باستكمال الشقّين الاقتصادي والاجتماعي


منهال الأمين
لا يقيس أحمد عباس الأرض بالأمتار: «وزنها من عرق ودم جاد بهما مئات المقاومين في وادي الحجير، منذ الانتداب الفرنسي وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلي». دهر من عمر ثقيل، أخذت فيه النضالات أشكالاً مختلفة ضد الاستعمار والاحتلال والاعتداءات اليومية. حرث فيه عباس، وزرع وحصد، ومن قبله أجداده، حتى غدا الوادي خصباً جنياً، وصار فرداً من العائلة. إثر الاجتياح الإسرائيلي في 14 آذار 1978، نزح «أبو علي» من قريته القنطرة (قضاء مرجعيون) إلى بلدة الغندورية المجاورة، لكنه بقي قريباً من الوادي. يستعيد هذا الفصل من ذاكرته بدقة: «هذا 14 آذار تبعنا». هكذا، اتجه أبو علي صعوداً، ترافقه زوجته، وستة عشر ابناً، يتوزعون مناصفةً بين الذكور والإناث.

خلال حرب تموز، أمضى أبو علي 13 يوماً بين المقاومين في الغندورية
أرخى مرساته في الغندورية، لكنه لم يقوَ على تركها تبلغ القعر. ظل الحنين إلى الوادي يداعبه. فيسأل: «كيف ترتاح الأرض وهي تحت الاحتلال؟ وكيف يهنأ بال صاحبها وهو لا يستطيع رعايتها؟». أبو علي يُدرك الأهمية العسكرية لمحيط الليطاني أيضاً، فقد كان «الصهاينة يحاولون في غزواتهم دائماً السيطرة على النهر»، مؤكداً أنه يعدّ نفسه أحد حراس أودية الحجير. طبعاً يعتب على الدولة التي لم تبادر إلى استغلال خيرات المنطقة. فالتربة خصبة ومعطاء، ووادي الحجير «يعوم على بحيرة من المياه الجوفية»، كما أكد له أحد الخبراء ذات مرة. لم يكن حارس الحجير بحاجةٍ إلى شهادة خبير، «فكيف ما حطّيت إيدك لازم يطلع ذهب». الرجل يعرف الأرض أباً عن جد، فهو يفخر بوالده الذي قاوم الفرنسيين مع أدهم خنجر وصادق حمزة، الثائرين الجنوبيين الشهيرين. يشير إلى الطاحونة التي عُقد بالقرب منها مؤتمر الحجير، في تلك الفترة، بدعوة من السيد عبد الحسين شرف الدين، وأعلن فيه «وجهاء» جبل عامل تأييدهم لقيام الدولة العربية في دمشق، بزعامة الملك فيصل.
تآخى أبو علي مع الأرض ووطدت الأيام علاقتهما. حُفظ بترابها وهوائها ومائها، فأكسبته عناصرها التصدي لعسف الاحتلال وعملائه، حين منعوه من زراعة أرضه. في العلاقة مع المحتل الإسرائيلي، لم يجد بديلاً من المغامرة، محافظاً على علاقة طيبة مع «قوات الطوارئ الدولية». يروي أن الإسرائيليين حين اصطدموا بعناده، رغم محاولات ترهيبه وترغيبه، قرروا تصفيته، عبر «السيّئ الذكر، العميل حسين عبد النبي». ويروي أن الأخير كمن له مع مجموعة من العملاء، حين كان يهمّ بالدخول إلى بستانه، برفقة أولاده وبناته، بمواكبة جنود الأمم المتحدة. وأطلق العملاء النار عليه وعلى صغاره. لم يأبهوا بالقوات الدولية، التي كالعادة سارعت إلى نقلهم إلى مستشفى الناقورة، حيث مكثوا ما يزيد على أسبوعين للمعالجة. هناك، أخبر الضابط الفرنسي أبو علي بأن قوات الاحتلال الإسرائيلي لا تمانع وجوده، بل العملاء اللحديون هم الذين يرفضون الأمر. لم يستغرب كثيراً «لأنني على ما يبدو أذكّرهم بأن العمالة خيار الجبناء». وصار هؤلاء يروّجون أنه يساعد المقاومين، حتى يبرروا منعه. طبعاً لا يجد أبو علي غضاضة في الشائعة، على العكس، لكن الأمر «شرف لا يدّعيه»، مؤكداً أن العملاء أشاعوا ذلك «لمنعي من إحياء الأرض». أرادوها ميتة. ويستعيد سيلاً من التفاصيل من ذاكرته: أتلفوا مئة قفير نحل يملكها. أحرقوا موسماً كاملاً من الخضر في خيم البلاستيك. جرفوا مساحات واسعة من الأشجار المثمرة. وكل هذا لم يوهن عزمه.
حين اصطدم الإسرائيليون بعناده قرروا تصفيته عبر العميل حسين عبد النبي
لم يذهب انتظار أبو علي سدىً. بعد التحرير، عبر من الغندورية إلى قريته الأم، القنطرة. جدّد أبو علي شبابه وغلبه حنينه إلى منزله الأول. عاش التحرير بكل جوارحه. عادت الحياة من جديد في واد لطالما حلم به جنة خضراء تستصرخ يديه. «فرحة النصر كانت عارمة في صدورنا، وقاتلة في صدور قوم آخرين، إذ ارتدّ الصهاينة غزاة في تموز 2006». لم يكن أبو علي قد أتمّ عودته إلى قريته، فأمضى في الغندورية بين المقاومين 13 يوماً، حتى اقترح عليه أبناؤه المغادرة، لأن الأمور بدأت تسوء. وفي تموز، حكاية طويلة. هكذا، انتقل أبو علي من الغندورية إلى قلاويه المجاورة، ثم ما لبث أن غادر إلى ديردغيا، ومن هناك إلى مدينة صيدا، قاطعاً الطريق تارة سيراً على الأقدام، وبالسيارات ـــــ إن وجدت ـــــ تارةً أخرى. ظل يتواصل مع أهله في الغندورية، حتى حلّ مساء الجمعة الحادي عشر من آب. فجر اليوم التالي، عند الساعة الرابعة، نفّذت القوات الإسرائيلية إنزالاً جوياً في الغندورية «شارك فيه آلاف الجنود، لتأمين وصول قوات إسرائيلية إلى مجرى الليطاني». يروي أبو علي تلك اللحظات التي عاشها وهو لا يعرف شيئاً عن أولاده الذين التحقوا بالمدافعين عن القرية فيقول: «حين اتصلت بالمختار، أبلغني كيف يطارد المقاومون جنود العدو من منزل إلى آخر ومن زيتونة إلى أخرى». لكن، لم يعرف المختار شيئاً عن أولاد أحمد عباس. امتدت المواجهات ستين ساعة، انتهت بانسحاب الإسرائيليين واستشهاد بضعة مقاومين، بينهم ولداه فادي وشادي. وتعمّدت القربى بين العائلة والوادي بالدم. لا تلمح في عيني أبو علي أي دمعة تفضح أساه العميق. تكاد تظن لوهلة أن فادي وشادي في رحلة، والعودة منها قريبة.
بعد الحرب بنى مسجداً في الوادي نفسه، أو «وادي الشهداء» كما يسميه أهل المنطقة، تخليداً لذكرى ابنيه الشهيدَين. يرى أبو علي أن البناء كالزرع، جزء من إحياء من الأرض. محاولة للخروج من الحرمان التاريخي. لكن رغم كل شيء، تشهد القرى المحيطة بالوادي اليوم موسم صيف مزدهراً قرب الينابيع. طوّر أبو علي مشاريعه الزراعية بقدرات ذاتية: زراعة التبغ، بستان الأشجار المثمرة على أنواعها، من حمضيات ولوزيات وغيرها، إضافة إلى موسم الرمان الوافر، دبساً وثماراً، وتربية النحل. يحلم اليوم بإتمام إنجاز مشروع الليطاني وإنشاء السدود، وإلا «فإن الجنوب سيبقى مهجوراً، وستزداد أسباب نزوح أبنائه وهجرتهم». في البداية، ظن أبو علي أن التحرير كان كفيلاً بوضع حدّ لها، «ولكن دولتنا لم تكافئنا إلا بمزيد من الجفاء».
يتوقف أبو علي عن العتب. يرغب في العودة إلى مواصلة حكاية لا يحبّ أن تنتهي فصولها. يقنعك بألا تغادر زمنه ومكانه الجميلين، وأن تعيش معه أحلامه. تلفحك نسمة من هواء يحتفل في الوادي برجال مرّوا ولكنهم لم يفارقوا المكان إطلاقاً. وأبو علي، ليس سوى أحدهم.


مسجد للذكرى

عجّل أحمد عباس ببناء المسجد، بعد النشاط الذي عرفته طريق وادي الحجير، التي تربط قضاءي مرجعيون وبنت جبيل، فباع عقاراً كان يملكه، وضمّ ثمنه إلى مبلغ مدّخر، فيما تكفّل متبرّعون آخرون ببقية المبلغ. وهكذا أنجز حلمه في نهاية عام 2009، مُطلقاً عل المسجد اسم «إمامين مقاومين هما السيد عبد الحسين شرف والسيد موسى الصدر»، وذلك تخليداً لذكرى ولديه.