ضحى شمس

منذ الإعلان عن الاختراق الإسرائيلي لشبكتي الهاتف اللبناني الخلوي والثابت وأنا أنتظر التعليمات. حسناً، الشبكة مخترقة، كما في الفضاء كذلك على الأرض، وماذا بعد؟ ماذا علينا أن نفعل للحدّ من الخسائر؟ ماذا عنا نحن المواطنين؟ هل يجري التنصّت علينا أيضاً؟ أو بنحو أدق، هل نحن بمتناول التلاعب التخريبي الإسرائيلي الناتج من سيطرته سيطرة كاملة على قطاع الاتصالات؟ يبدو الرد بنعم مرجحاً. لذا نسأل استطراداً: ماذا تفعل الدولة التي اكتشفت الاختراق، ليس على صعيد ملاحقة العدو في المؤسسات الدولية فقط، وهو أمر مهم، إنما فوراً، الآن، وفي كل يوم، لحماية المواطنين من تمادي هذه الجريمة؟ بتعبير آخر: إذا كانت اتصالاتنا لا تزال تصبّ في الأذن نفسها عبر الحدود، فكيف علينا أن نتصرف نحن المواطنين بعد اكتشافنا أن تلفوناتنا هي في الحقيقة مجرد ميكروفونات مفتوحة على مكبرات صوت في الجهة الأخرى من الحدود؟ حين يقبض على عميل، يقال إنه «احترق»، أي لم يعد ممكناً استعماله. لكن اكتشاف وقوع «تكنولوجيا الاتصالات اللبنانية» بين يدي العدو، لا يوقف استخدام العدو لهذه الشبكات، إلا اذا قامت هذه السلطات بإجراء ما. وبالتالي، ما الذي يجب أن نفعله نحن المواطنين؟ ما هي إرشادات الدولة؟ ألا يجب أن تصدر شيئاً من نوع «وزارة الاتصالات تحذّرك من مضارّ الاتصال؟». لا شيء. لم يقل لنا أحد أي شيء.
في المؤتمر الصحافي الذي عقده وزير الاتصالات شربل نحاس، وحين كان الخبير عماد حب الله يتحدث عن استنساخ الأرقام الخلوية اللبنانية و«توأمتها» عبر إرسال رشق من الرسائل الهاتفية الفارغة من أرقام مجهولة، تذكّرت فجأة أنني تلقّيت منذ نحو أسبوعين سبع رسائل فارغة من رقم لا أعرفه. لو لم أسمع المؤتمر الصحافي، لما كنت قد تنبهت لذلك. المؤسف أن العقل السياسي للدولة هو بالمعنى المحدود للكلمة وليس مواطنياً. رويت الأمر لصديقة، فتذكرت هي الأخرى أنها تلقّت مثل هذه الرسائل، وزوجها أيضاً. كم من أرقام هاتفية جرت توأمتها مع أرقام إسرائيلية متنكرة لبنانياً؟ كم من الأرقام اللبنانية جرى استنساخها واستخدامها إسرائيلياً؟ ماذا علينا أن نفعل الآن؟ هل هناك أسلوب تقني من أجل إبطال مفعول هذا الاختراق، من نوع الاستعاضة عن الشبكة القديمة بشبكة جديدة مدقق بأنظمة الحماية فيها؟ هل علينا مثلاً أن نرمي هواتفنا ونحرق أرقامنا لأنها «محترقة» أصلاً؟ أن ندعو الى يوم وطني لإقامة محرقة خلوية هائلة، في مكان ذي رمزية، كمكان اغتيال الرئيس المغدور رفيق الحريري؟. هل من الممكن بناء «درع» اتصالاتية لحجب عالم الإشارات اللاسلكية اللبناني؟ أو تقوم الدولة مثلاً بنوع من «تنظيف» الشبكة الأرضية من «الآذان» الإسرائيلية، ونعود إلى استعمالها حصراً من دون أجهزتنا الخلوية؟ ما هي الاستراتيجية اللبنانية لإيقاف الضرر وحماية المواطنين؟ والأهم، هل هناك فعلاً إرادة سياسية لذلك؟ إن مراقبة سلوك معظم الطبقة السياسية في لبنان تظهر على الأقل، أن هناك صراعاً على ذلك، ما يعني وجود إرادة ممانعة.
من يمانع؟ ما اسمه بقاموس الأوصاف اللبناني المشفر؟ من الذي لم يدقق بأداء الشركات الأجنبية الثلاث: ألكاتيل وسيمنز واريكسون التي لزّمتها الدولة بناء شبكتي الخلوي والثابت؟ لم تراع هذه الشركات إجراءات حماية الشبكات اللبنانية من الاختراق كما يحصل عادة! هل كان ذلك لأنه لم يطلب أحد منها ذلك؟ وهل استفادت حكومات هذه الشركات من هذه الثغرة التقنية؟ هل أهمل المسؤولون اللبنانيون أيامها هذه النقطة عن جهل، (وهو شيء محتمل نظراً لعدد الجهلة الكبير الذي نوصله في كل انتخابات الى دوائر القرار) أم عن سابق تصور وتصميم؟
البعض يقول إن عالم الاتصالات معقد لدرجة لا يمكن معه ضمان عدم الاختراق، والدليل أن جزءاً كبيراً من التراسل السياسي بين الدول، لا يزال يجري شفهياً. كم مرة نسمع أن مبعوثاً دبلوماسياً أتى لتبليغ رسالة شفهية؟ ولماذا يكلف نفسه لو لم يكن يعرف الأكمة وما وراءها؟ العجيب هو أننا في عالم تنتشر فيه أكثر فأكثر العادات الأمنية، وخصوصاً تلك التي تنتهك حرمة الشخصي، ومع ذلك لسنا آمنين. أفتح جزداني ألف مرة في اليوم، وأتعرض لمسح باللايزر ولآلات كشف المعادن، عند مدخل المول، السينما، الفنادق... إلخ، لأكتشف آخر النهار أن يد الإسرائيلي تصل إلى جيبي، لأن شخصاً ما في موقع المسؤولية لم يقم بواجبه! من هو حصان طروادة في الطبقة السياسية؟ من يعطّل تعيين مفتشين ومراقبين في كل القطاعات؟ من يترك أنظمة الرقابة في كل قطاعات الدولة اللبنانية تهرّ من الإهمال وانعدام الصيانة؟ حصان طروادة؟ ربما علينا التفتيش عن اسطبل كامل لطروادة بيننا. لا بل إن عدد العملاء المكتشفين وأنواع اختراقاتهم توحي أن الاسطبل هو الأساس وليس الباقي. وربما كان هذا «طبيعيا» في بلد لم يستطع أن يكون، عبر تاريخه، أكثر من مزرعة.