في السابع عشر من الشهر الماضي، كرّمت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي محمود الأمين باعتباره أقدم عنصر خدم في صفوفها. تكريم المديرية ذكّر الرجل بأيام «العزّ» الأمني عندما كان يُحسب لابن «الجندرما» حساب، على عكس اليوم الذي بات فيه «عنصر قوى الأمن مجرد موظف فقط»


بنت جبيل ـــ داني الأمين
في منزله المزيّن بأشجار الصنوبر القديمة، في بلدة الصوّانة الكائنة في قضاء مرجعيون، يعيش محمود عبد الحسن الأمين، عميد رجال قوى الأمن الداخلي. في ذاك المنزل الجميل، مع زوجته المريضة. يزجي الرجل، الذي بلغ 96 عاماً، وقته بمشاهدة التلفزيون، ومتابعة الأخبار خاصة، ملاحظاً بحسرة «ما وصل إليه الوضع الأمني» في البلاد التي شاء له القدر أن يحرسها ويحرس أمنها منذ كان شاباً في ثلاثينيات القرن الماضي. مستاء ابن قوى الأمن الداخلي من تراجع الوضع الأمني، وخصوصاً دور قوى الأمن الداخلي، ويعلّق قائلاً «رغم زيادة عديد رجال قوى الأمن المنتشرين بالمئات على جميع أراضي الوطن، إلا أنهم لم يستطيعوا فعل ما فعلناه في تلك الفترة الصعبة التي استطعنا فيها قدر الممكن أن نحمي الأمن الداخلي ونحمي البيئة ونجعل المواطنين يقدّرون جمال وطنهم ويحافظون عليه». هكذا يرى أقدم عنصر في قوى الأمن الداخلي الوضع. والرجل الذي كرّمته المديرية العامة لقوى الأمن، قبل أسابيع، لكونه بات عميد رجالها، خدم في سلك «الجندرما» 27 عاماً، بدأها عام 1936 وأنهاها بـ«زعل» عام 1963، بسبب الانتخابات النيابية، ليتفرّغ بعدها وزوجته إلى تربية أولاده الثلاثة وتعليمهم. أبو حسين، الذي حرس بلاده كل تلك السنوات، بات اليوم عاجزاً عن سرد قصص الحراسة بعدما أفقده العمر القدرة على الكلام. حتى عندما يحاول التحدث، تخرج الكلمات من فمه متلعثمة أو متقطعة. لهذا، لم يقل لنا الكثير، فقد تكفّل ناجي، شقيقه الأصغر سناً منه، بمساعدته في سرد بعض التفاصيل التي حفظها عنه في شبابه. يبدأ ناجي روايته من عام 1916، عندما كان أبو حسين «تلميذاً في مدرسة شقرا الرسمية، التي خرج منها ليلتحق بسلك الجندرما اللبنانية في عام 1936، برتبة جندي». خدم أبو حسين في مخافر الكثير من المناطق، بدأها في بلدته لينتقل بعدها إلى صور، حيث خدم عاماً واحداً فقط، سرعان ما أتت برقية «التشكيلات» التي قضت بنقله إلى بلدة ياطر الجنوبية، حيث عمل رئيساً لمخفر البلدة، وكانت مهمته حراسة أحراج المنطقة. تلك المحطة تدفع الرجل إلى الحديث، ولو بصعوبة، عمّا كانت عليه الأوضاع، حيث كان الاهتمام بالبيئة يوازي الاهتمام بالوضع الأمني، ويقول «وقتها كان الاهتمام كبيراً بالأحراج، على عكس اليوم، فكنا نمنع أي اعتداء على الأشجار ونعاقب المخالفين، والأهالي يخافون من أي تعدّ على الأملاك العامة». واليوم؟ يتحسّر الرجل على «الأحراج التي لم تعد موجودة أصلاً لنحميها». أمور كثيرة تغيّرت. فبعد ستين عاماً، لا يجد الرجل ما هو مشترك بين «حقبته» والحقبة الحالية. فالحسرة التي يتكلم بها اليوم لم تكن موجودة قبلاً، والدليل عندما يسترجع الذكريات، حيث ترتسم على وجهه ابتسامة صغيرة، على عكس الحديث عن أمور اليوم. يتذكر بفرح كيف كان مع رجال المخفر يسيّرون دورياتهم بواسطة الخيول، ويقول «كنّا ننتمي إلى كتيبة الفرسان، التي لا وجود لها الآن، وكنا نستطيع حماية المنطقة بأكملها، رغم أن عددنا لا يتجاوز خمسة عناصر. فالأهالي كانوا يهابوننا ويخافون مخالفة القوانين». في ذلك الوقت، كان لعنصر «الجندرما» أهمية كبرى، لهذا كان دخول الشباب إلى هذا السلك صعباً جداً، ولهذا أيضاً «كان اختيار شقيقي في ذلك الوقت أمراً في غاية الأهمية»، يقول ناجي. ويكمل «في ذلك الوقت كان الفرنسيون يشرفون على اختيار رجال القوى الأمنية، في عهد قائد الدرك آنذاك الزعيم محمد جواد دبوق، ويحرصون على أن يكون هؤلاء من العائلات الكبيرة والمعروفة». باختصار «كانت وظيفة ابن الجندرما إلها ثقلها، ولهذا كانت رواتبهم مميّزة، حوالى 60 ليرة لبنانية، في الوقت اللي كانت فيه ليرة الذهب تعادل خمس ليرات فقط».
في عام 1941، بعد الخدمة الطويلة نسبياً في ياطر، انتقل الأمين إلى الخدمة في بلدة جزين. في ذلك العام، ألغيت كتيبة الفرسان، فالتحق الأمين بالكتيبة الراجلة معاوناً لرئيس المخفر. هناك «كان شغلنا حماية الأحراج والمحافظة على نظافة الطرقات والأحياء. فقد كنا نمنع رمي الأوساخ في الأماكن العامة، ونعاقب بغرامات مالية كل من يترك المياه المبتذلة تتسرّب إلى الشارع العام». في عام 1945، رُقّي الأمين إلى رتبة رقيب، وانتقل إلى الخدمة في مدينة صيدا، وأصبح رئيساً لقلم السريّة هناك. يتذكر كيف كانت الخدمة في المدينة الكبيرة، ويقول «كانت الخدمة طيلة 24


كنا نمنع رمي الأوساخ في الأماكن العامة وننظّم محاضر بذلك

كانت لوظيفة ابن الجندرما ثقلها وراتبها محترم
ساعة يومياً، ولا يجوز لنا ترك العمل إلّا لساعات قليلة جداً، لذلك كان لا بدّ من السكن في المكان نفسه الذي نؤدّي خدمتنا فيه، وهكذا كان الأمر أيضاً عندما انتقلت إلى الخدمة في سرية طرابلس في عام 1951». لهذا، كان الأمين مضطراً في كل مرة إلى الانتقال بعائلته إلى المكان الذي يخدم فيه. لشدة حبّه لمهنته، «تشنشط» الأمين وعائلته طيلة سنوات الخدمة. تحمّل الكثير حتى عام 1951، عندما وصل الأمين إلى قراره الصعب القاضي بترك مهنته. ففي ذلك العام، وأثناء خدمته الأخيرة في طرابلس، «قالوا في دورة للضباط، وتبين أنه يحقّ لي التقدّم بطلب ترقية، وهكذا فعلت، لكنّ الانتخابات النيابية كانت على الأبواب، وقد فضّل الرئيس أحمد الأسعد آنذاك أن يختار حصّته من الضبّاط، من البلدات والعائلات التي تستطيع ضمان الأصوات الكثيرة له، لذلك اختار مكاني شخصاً آخر من بنت جبيل». كان هذا الاختيار السبب الرئيسي لتقديم الاستقالة «رغم أنه عُرض عليّ الانتقال إلى الخدمة في مدينة بيروت برتبة رقيب أوّل، في الوقت الذي أصبحت فيه قيادة الدرك وحدة من الوحدات الأمنية التابعة للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، بعد أن كانت جهازاً مستقلاً». لم تغره بيروت ولا الترقية، وبقي على قراره الاستقالة، حتى «إن المدير العام لقوى الأمن الداخلي آنذاك، نور الدين الرفاعي، تدخل وأرسل إليّ طالباً مني إدارة شعبة في المديرية العامة في بيروت، فطلبت توفير بدل الإيجار، الذي كان مرتفعاً جداً في بيروت نسبة إلى طرابلس، فلم يوافق، عندها التحقت في مخفر العبّودية في طرابس، وتسلّمت رئاسته، حتى قُبلت الاستقالة عام 1963». اليوم، بعد 47 عاماً على تلك الاستقالة، لا يندم الأمين على شيء، فقد «كفّى ووفّى» وخدم الوطن على «قد ما قدرت».


تكريم قوى الأمن

أبو حسين الأمين، أقدم رجل في قوى الأمن الداخلي كرّمته المديرية العامة في منزله في بلدة الصوانة. وقد حضر التكريم آمر فصيلة درك تبنين الرائد أحمد علي أحمد ممثلاً المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي. وألقى الرائد أحمد كلمة باسم اللواء ريفي تحدث فيها عن أداء الأمين المسلكي في قوى الأمن، وسلّمه درعاً تكريمية.