تُوفّي شاب في السجن بجرعة مخدّرات زائدة. فُتح تحقيق لتحديد المتورّطين في تهريب المخدرات إلى داخل السجن. هذه السطور تكشف المتورّطين، لكن مع تحفّظ عن ذكر الأسماء كاملة، علماً أن هؤلاء معروفون داخل السجن بترويجهم المخدّرات


رضوان مرتضى
السجن مركزٌ للإصلاح أم وكرٌ للجريمة؟ الإجابة صعبة رغم بديهيتها. أما السبب، فيرجع إلى أن معظم الأخبار التي تُستقى من نزلاء السجون تُوصّف واقعاً خطيراً. إذ يبدو من خلالها مركز الإصلاح المفترض مكاناً تُعشّش في زواياه الجريمة، فيتحوّل السجن من مركز للتأهيل الى مصنع يُخرّج مجرمين محترفين، سيمثّلون خطراً داهماً على المجتمع عند خروجهم. «الأخبار» تدقّ ناقوس الخطر مرة جديدة بانتظار الإصلاح، علماً أن تفشي المخدرات في السجون ظاهرة منتشرة في معظم سجون العالم.
سيعيد التحقيق طرح مشكلة المخدرات التي تُروّج داخل عدد من السجون اللبنانية. المعلومة المذكورة ليست جديدة على كثيرين، إذ لا يكاد يكون هناك من لا يعلمها. اتّصل سجناء في سجن رومية المركزي بـ«الأخبار» يشكون ترويج المخدرات داخل السجن على أيدي عدد من السجناء. غمز بعضهم لناحية تغطية تُوفَّر لهؤلاء عبر عسكريين مسؤولين على الرغم من الجهود التي يبذلها آمر السجن العقيد غابي خوري لضبط الوضع وتحسينه، رادّين السبب الى المال الذي قد يشتري كل شيء. الغريب أن بعض المشتكين يتعاطون المخدّرات، لكن دافعهم كان الخوف من أن يكون مصيرهم مشابهاً لما حصل مع السجين ربيع ص. يتحدّث هؤلاء عن «عصابة» تنشط داخل السجن في مجال ترويج المخدرات، ويذكرون مُموّلاً يؤمن المال الذي تُشترى به المخدرات، قبل أن يُصار الى بيعها للسجناء الموجودين في مبنى المحكومين من السجن المركزي. لقد ذكر معظم السجناء أسماء أفراد «عصابة» يترأسها ثلاثة سجناء هم : ح.م، أ.ط. و ر.ت. يبيعون الحبوب المخدرة (ترامال وبنزكسول وريفوتريل) والهيرويين للسجناء الذين يطلبونها. وقد أشار السجناء المذكورون الى أن هؤلاء يبيعون المخدرات في بعض الأحيان لسجناء يطلبون استدانة ثمنها لأنهم لا يملكونه، لكنهم لفتوا الى أنهم يعتدون بالضرب المبرّح على من لا يدفع المستحَقّ عليه من المال مقابل ما استهلكه من مخدّرات. كذلك ذكر أحد السجناء أن هناك سجيناً يؤدّي دور الفتوّة في هذا الأمر، يدعى ب.م. يتولى بنفسه، بمساعدة بضعة سجناء آخرين، الاعتداء بالضرب على المتخلّف عن الدفع. أما أُجرة وظيفته هذه، فتكون عدداً من الحبوب المخدّرة. ولفت السجين المذكور الى أن «رؤساء العصابة يوفّرون الحماية لفتوّتهم بحكم علاقة ر.ت. مع أحد العسكريين المسؤولين». كذلك أشار السجين الذي اتّصل بـ«الأخبار» إلى أن العلاقة الوطيدة بين السجين ر.ت. والعسكري المذكور تظهر في التسهيلات التي تُقدّم إليه عبر السماح له بمواجهة أهله في مكتبه أو السماح لسيارات عائلته بأن تدخل الى داخل السجن.
الأسماء التي ذكرها السجينان عاد وكررها آخرون، فقد أكّد هؤلاء «أن عسكريين في السجن يعلمون أن ح.م. و ر.ت. يروّجان الحبوب بين نزلائه». كما أكّد هؤلاء أن المال الذي تملكه عائلة السجين ر.ت. يوفّر دخول الحبوب المهرّبة الى السجن بعد رشوة بعض العناصر الذين يُفتّشون الأغراض الداخلة الى السجن فيغضّون الطرف عمّا تحويه أغراض هؤلاء. يُشار الى أن السجين ر.ت. يحمل هاتفاً خلوياً من نوع (I-PHONE) علناً، كما أنه يُخبّئ الحبوب المخدرة والهيرويين داخل غرفته التي يتقاسمها مع شريكه السجين ح.م.، علماً أنها نادراً ما تتعرّض للتفتيش من جانب القوى الأمنية، وفق ما روى السجناء لـ«الأخبار».


هناك سجناء يأخذون دور الفتوّة فيؤدّبون المتخلّفين عن دفع ثمن المخدرات مقابل حبوب مخدّرة
السجناء الثلاثة الذين اصطُلح على تسميتهم الرؤوس المسؤولة عن ترويج المخدّرات في السجن لا يعملون وحدهم، إذ هناك مروجون آخرون يعملون بإمرتهم لتوفير التغطية اللازمة لمبنى المحكومين بطوابقه الثلاثة. ففي الطبقة الأولى منه ينشط أ.ز، أ.س. و ب.م.، في حين يتولى الترويج في الطبقة الثانية ي.خ. و ي.ح. أما الطبقة الأخيرة فيغطيها ح.م. و ح.ن. و ع.ع.
هذا في ما يتعلّق بأسماء المروّجين، أما أسعار الحبوب المخدرة، كما تُباع داخل السجن، فإنها تُُحدّد بعملة السجن المتعارف عليها «سجائر الدخان». فحبة البنزكسول تباع مقابل علبتي ونستون، وكل خمس حبوب ترامال تُباع بكروز ونستون. أما الهيرويين، فأسعاره مرتفعة نسبيّاً عما هي عليه في الخارج. إذ إن «الأربع شحطات»، أي ما يعادل أقل من نصف غرام هيرويين، يصل سعرها الى سبعين دولاراً، علماً أن الغرام يُباع في الخارج بعشرين دولار. (الغرام يساوي عشر شحطات وفق المتعارف عليه بين المتعاطين). يُذكر أن السجين ح.م. سبق أن هرب من سجن زحلة، لكن القوى الأمنية تمكنت من القبض عليه. كما أنه سبق أن هرب من سجن رومية قبل أن يُصار الى القبض عليه. أما في ما يتعلّق بالسجين ر.ت.، فيشير هؤلاء السجناء الى أنه يتعاطى المخدّرات منذ دخوله الى السجن، لافتين الى أنه موقوف بجريمة قتل.
كما علمت «الأخبار» أن قيادة السجن فتحت تحقيقاً استجوب فيه معظم الأسماء المذكورة تمهيداً لإحالتهم على المحاكمة إن تمّ التأكّد من تورّطهم.


إجراءات تأديبية لـ«متمرّدي سجن القبّة»

انتهى التحقيق في قضية تمرّد سجن القبّة الذي قاده عدد من السجناء مطالبين بنقلهم الى سجن رومية المركزي. حينها، نُقل 14 سجيناً من سجن القبة في طرابلس الى سجن رومية المركزي في إجراء احترازي تمهيداً لإجراء التحقيق في جوّ هادئ بعد امتصاص الاحتقان. مرّت عدّة أيّام، فجرى نقل السجناء من جديد وتوزيعهم على عدد من السجون. إذ أُعيد عشرة سجناء الى سجن القبة بعد انتهاء التحقيق معهم، فيما تم توزيع خمسة سجناء آخرين على سجون مختلفة في إجراءٍ تأديبي بحقّهم: سجن جب جنين وسجن زغرتا وسجن زحلة وسجن راشيا الوادي وسجن النبطية. وعلمت «الأخبار» أن السجين ابراهيم ع. نُقل الى سجن زغرتا، فيما وُضع عادل غ. في سجن جب جنين، أما شقيقه فقد نُقل الى سجن راشيا الوادي.


لقطة

معظم المشاكل في سجن رومية المركزي ليس جديداً، إذ أشارت «الأخبار» سابقاً، استناداً الى كلام ضبّاط، إلى أن المشكلة الأساسية في السجن هي مسألة الاكتظاظ العددي التي منها تتولد باقي المشكلات. انطلاقاً من المعاناة اليومية، بدأ البحث عن السُبل الآيلة لإيجاد حل لمعضلة السجون في كل لبنان. وفي هذا السياق، تجدر الإشارة الى أن عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة والمؤبدة لا تزال تردّ في معظم الأحكام التي يُصدرها القضاة باسم الشعب اللبناني، لكن متابعين للملف لفتوا الى أن عقوبة الأشغال الشاقة لا يُطبّقها السجين، علماً أنه إذا ركّزت المؤسسات المعنية على هذه المسألة، فإن ذلك سيكون منتجاً على صعيدي السجين والدولة. فتستغل الدولة جهود السجين بدل أن تضيع سُدىً فيما يملأ الأخير وقته فلا يلجأ للمخدرات.