شهدت الشويفات في الأشهر الأخيرة تدهوراً في الوضع الأمني. رفع رئيس البلدية الصوت شاكياً، ومعلناً أن اللواء أشرف ريفي أخبره بإمكانية تسليح عناصر شرطة البلدية. متابعون رفضوا هذه الخطوة غير القانونية و«الخطيرة»


محمد نزال
بتاريخ 28 آب الفائت، نشرت «الأخبار» تحقيقاً بعنوان «الشويفات: مشهد أمني مقلق ومخالفات بالجملة»، سُلّط فيه الضوء على الوضع الأمني في المنطقة المذكورة. لوحظ آنذاك وجود ارتفاع في عدد الحوادث الأمنية والجنائية، خاصة عمليات السرقة والنشل التي يُستخدم فيها السلاح أحياناً، في مقابل حديث فاعليات المنطقة عن نقص في عديد القوى الأمنية وعتادها هناك.
بعد أكثر من شهر، انفجر الوضع، خرج رئيس بلدية الشويفات ملحم السوقي ليعلن أن الوضع الأمني في المدينة «لم يعد يحتمل... ففي كل يوم نشهد نحو 4 سرقات بقوة السلاح في الشوارع الرئيسية في وضح النهار»، مشيراً إلى أن البلدية أنزلت أخيراً كل عناصر الشرطة البلدية والحرس البلدي إلى الطرقات، معلّلاً ذلك بـ«تواضع إمكانات مخفر المدينة، الذي لا يستطيع أن يقوم بواجباته تماماً في ظل وجود نحو 13 دركياً فقط».
إلى هذا الحد كان كلام رئيس البلدية ملحم السوقي يعبر عن سخط من حالة لم تعد تُطاق، غير أن ما أضافه من كلام، استوقف العديد من المتابعين للشؤون الأمنية، حيث كشف أنه أجرى خلال الأيام الأخيرة اتصالاً بالمدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، طلباً للمساعدة، فأجابه الأخير بأن الإمكانات البشرية ضعيفة «ولا يمكن زيادة عديد عناصر المخفر»، داعياً إياه إلى طلب تسليح شرطة البلدية «عبر الأطر القانونية»، بحسب ما أكّد السوقي لـ«الأخبار».
أحد المتابعين للشؤون الأمنية استهجن ما قاله ريفي للسوقي، ووضع الأمر في خانة «التهرب من المسؤولية، بحيث ينطبق المثل القائل: من تحت الدلفة لتحت المزراب»، متسائلاً عن كيفية وضع أسلحة حربية بيد عناصر شرطة البلدية «الذين لا يتلقون تدريبات عسكرية تتناسب واستعمال هذه الأسلحة»، وبالتالي يمكن هذا الأمر أن يضر بالوضع الأمني المأزوم أصلاً، من خلال تفلّت بعض عناصر شرطة البلدية الذين لا عهد لهم بالسلاح، فضلاً عن «الضرر الإضافي الذي يمكن أن يلحق من خلال المسّ بالطابع السياسي والحزبي القائم في الشويفات، خاصة أن نحو 90% من عناصر الشرطة البلدية تابعون سياسياً وحزبياً إلى أحد الأحزاب النافذة في
المنطقة».

قانون البلديات الصادر عام 1977 لا ينص في أيٍّ من مواده على تسليح شرطة البلدية
«الأخبار» نقلت وجهة النظر هذه إلى السوقي، فاعترف بأنه «في المبدأ» يجب على القوى الأمنية أن تتحمل المسؤولية، طالباً «توضيح» ما كان قد نقله سابقاً عن اللواء ريفي، قائلاً إن الأخير دعاه إلى تقديم طلب رسمي إلى وزارة الداخلية والبلديات للحصول على السلاح. لكن فاته أن أي طلب رسمي في هذا الخصوص لا بد أن يكون وفقاً للأطر القانونية، وقانون البلديات الصادر عام 1977 لا ينص في أي من مواده على تسليح شرطة البلدية. من جهة ثانية، يرفض أحد أبناء الشويفات، وهو من المتابعين للشأن البلدي، حصول التسليح، لأنه «لا ينبغي تصحيح الخطأ بخطأ آخر، فبدل تسليح العاملين في البلدية، وعددهم نحو 200 شخص، يجب زيادة عديد القوى الأمنية في المنطقة حتى تتمكن من القيام بواجبها على أكمل وجه»، داعياً إلى عدم التحجج دائماً بعدم وجود طاقات بشرية كافية لدى قوى الأمن الداخلي، خاصة أنه يمكن تقليل عدد العسكريين المرافقين لبعض الشخصيات السياسية والحزبية «الذين يخدمون الوطن من خلال تحولهم إلى سائقي تاكسي لدى أولاد هؤلاء وزوجاتهم، فهل يعقل مثلاً أن يكون لدى أحد الموظفين الرسميين النافذين نحو 10 عسكريين يقومون بأعمال المرافقة، فيما تبقى بعض القطعات الأمنية والمخافر الحساسة تعاني الشح بالعديد؟».
التقت «الأخبار» أحد عناصر شرطة البلدية – الذين بات بإمكان زائر مدينة الشويفات ملاحظة انتشارهم بكثافة في الشوارع والأزقة. بدا واضحاً أن الشاب العشريني متحمس لحمل السلاح، أقله مسدس، بغية «تخويف السارقين وخاصة الذين يمتهنون النشل على الدراجات نارية». لم يكن لدى الشاب متسع من الوقت للحديث أكثر، لكن كان لافتاً أنه توجه بعد ذلك إلى دراجة نارية صغيرة إلى جانب أحد المباني، لا تحمل لوحة تسجيل، فركبها دون أن يضع خوذة واقية وانطلق مسرعاً، قبل أن ينادي على سيدة مارة في الشارع: «ضبي جزدانك يا مدام، انتبهي في حرامية كتار»، قالها بصوت عال، كأنه قصد إسماع باقي الموجودين في الشارع.
أخيراً، ثمة استغراب من أهالي المنطقة تجاه «الفلتان الأمني الذي ازداد فجأة»، ومن هؤلاء رئيس البلدية الذي قال: «حقيقة لا نعرف سبب ازدياد الحوادث بهذا الشكل وبهذا الوقت. هذا أمر مستغرب»، علماً أنه، فضلاً عن وجود مخفر لقوى الأمن، يوجد مركزان للجيش اللبناني أيضاً، واحد عند مدخل الشويفات قرب معمل «غندور»، والثاني على الخط العام لناحية منطقة حي السلّم.


عديد «أمبراطورية» فرع المعلومات

استغرب مسؤول أمني رفيع في قوى الأمن الداخلي اللجوء إلى تسليح شرطة البلدية في الشويفات، بدل زيادة عديد المخافر في المناطق، لافتاً في حديث مع «الأخبار» إلى أن اللواء أشرف ريفي حوّل نحو 6 آلاف عسكري إلى «أمبراطورية» فرع المعلومات، بعدما كان الوعد بتوزيع هؤلاء على مختلف الوحدات والقطعات الأمنية. وأضاف المسؤول الأمني قائلاً «نحن قادرون على أن نحمي لبنان، ونصون الأمن فيه، لكن شرط أن نزود بالعديد والعتاد اللازم، فلا يعقل أن نكون مكلفين أصلاً بإزالة تعديات البناء في المناطق، وهذه بالأصل مهمة البلديات، فنستنزف نحن بذلك»، ليختم قائلاً: «للأسف إن بلدنا أعوج، كل شيء يحوّل طائفياً، وللأسف، حتى في الأمور الأمنية الحساسة التي تعنى بشؤون المواطنين، كلما هاجمنا فريق أمني لأسباب عملية قالوا لنا إننا نهاجم طائفة محددة».


لقطة

قبل ثلاثة أيام، حضر إلى الشويفات النائب طلال ارسلان، يرافقه وزير المهجرين أكرم شهيب، وعقدا اجتماعاً بحضور رئيس البلدية ملحم السوقي وأعضاء البلدية. جرى خلال اللقاء بحث في ما آل إليه الوضع الأمني في المدينة، خاصة لناحية تزايد عمليات السرقة والنشل التي تحصل في قلب الأحياء التقليدية وطريق صيدا القديمة. وبعد أن أطلع السوقي كلّا من ارسلان وشهيب على فحوى اتصالاته مع الجهات الأمنية لمعالجة الوضع، تحدث كل من ارسلان وشهيب عن أهمية دور البلدية من خلال عناصر الشرطة والحراس «ضمن الأصول القانونية»، وتم التركيز على أن السارق لا دين له ولا لون ولا انتماء حزبياً، وأن الغطاء مرفوع من كل المرجعيات عن كل من تساوره نفسه القيام بأعمال النشل والسرقة في المنطقة. من جهة ثانية، أكد ارسلان أن وضع البلد «لا يحتمل التأويلات ولا يحتمل تسييس الأمور بشكل مطلق».