حسين بن حمزة

لم يتكلم حسين ماضي إلا عن الله والطبيعة طوال اللقاء. بطريقة ما، بدا أن الله والطبيعة مرجعان أساسيان لفنٍّ شخصي سعى باستمرار إلى الإعجاز. في تكراره لآياتٍ محددة من القرآن، وفي إشاراته المستمرة إلى الفعل الخفي للطبيعة، كان ماضي يقرّب ممارسته التشكيلية من الكمال المتحصِّل من حكمة الله وإبداع الطبيعة. هناك نوع من الخلق في شغل هذا المعلم اللبناني الذي آمن منذ بداياته بأن العمل الفني لا يكون جميلاً ما لم يكن صحيحاً. الجمال هنا هو خلاصة وترجمة للتمكّن الضروري من الأصول والقواعد. بالنسبة إليه، أن يتعلم الفنان من الطبيعة يعني أن يتعلم من الصانع الأكبر. هكذا، يصبح الكمال الإلهي محرّضاً على الوصول إلى كمالٍ فني، ويصبح الرسام «تلميذاً للكون» بحسب وصف الشاعر عباس بيضون لماضي.
بين شقتين واسعتين في شارع المكحول، وورشته النحتية في المكلّس، يُمضي حسين ماضي أغلب وقته. يفتح لنا أحد مساعديه الباب، ويقودنا إلى الصالون، حيث ينتظرنا وهو غارق في إنجاز مسودة ورقية لمنحوتة تدور قياساتها وحركتها في خياله، بينما تناثرت حوله أشكال أخرى يبدو أنه انتهى منها قبل موعدنا معه. ثمة صعوبة في الحديث براحة مع الرسام الذي اقترن اسمه بشائعات عن حدّة طبعه ورفضه للأضواء وازدرائه لأغلب ما يُكتب من تغطيات نقدية لأعماله. نبدأ معه من النقطة الأكثر إرباكاً. لماذا يتهيّب الناس مقابلته؟ يرّد بنزق: «أظن أنهم لا يتهيبونني كشخص، بل يتهيبون معرفتي وإتقاني لعملي. لن تشعر بالألفة إلا إذا كنت تعرف ما أنت آتٍ إليه. لستُ مضطراً لإيذاء نفسي بإلغاء المسافة بيني وبين الجهل».
ولد حسين ماضي في شبعا الجنوبية الملاصقة لسفوح جبل الشيخ. في حضن الطبيعة تفتحت حواسه، بينما كان يقضي أوقاتاً طويلة بصحبة جدٍّ كان يصنع الأدوات التي يحتاج إليها بنفسه. من الجد، تسرّبت إليه حكمة ونضجٌ مبكران، بينما في المدرسة، راح أساتذته يقولون لأبيه: «ابنك حسين ذكي، لكنه يضيّع وقته في الرسم». اليوم، يقول إنه لا يزال يضيع وقته بالرسم، ولا يتذكر من سنوات دراسته المبكرة سوى أن القلم لم يكن يفارقه: «كنت أرسم على حواشي الكتب والدفاتر، على الطاولة على أي شيء». كان الرسم ترجمة دقيقة لمزاج الفتى الذي أدرك مبكراً أن عليه أن يأتي بما يعجز الآخرون عنه.
الرغبة بالتفرد، صنعت له عزلة وزهداً وانسحاباً من الحياة العادية إلى ما هو أسمى وأكثر قداسة. «الفن جعلني أفهم نفسي»، يقول الرسام الذي بات هو وعمله شيئاً واحداً. لا يتأخر المتلقي في العثور على نبرة ماضي، حتى لو غاب توقيعه عن لوحته أو منحوتته. بطريقة ما، نحسّ بأن ماضي يمحو ويحذف بدلاً من أن يرسم. لا نجد ثرثرة أو استطراداً أو تنميقاً في شغله. كأن اللوحة أو المنحوتة هي حصيلة لكمالٍ نقتنع فيه باستحالة حذف أو إضافة خط إلى ما نراه. أعمال ماضي ترسل ذبذبات صحيحة إلى المتلقي لأنها مصنوعة وفق معايير وطموحات صارمة وقاسية وإعجازية. كأنّه يخوض تحدياً مع قواعد فنه ويعود منها منتصراً في كل مرة. كأن مهمته هي أن يُدهش لوحته ومنحوتته، لا أن يُدهش المتلقي. إنه يُرضي نفسه ويمتِّعها. كل ذلك قاده إلى تفضيل خيارات صعبة، كما هي الحال في تطويعه الأخاذ للحديد في منحوتاته التي تجعلنا نصدق أن طيوره وحيواناته المعدنية قادرة على الحركة والتحليق فعلاً.
الإتقان صنع له قرابة وصداقة مع الذين يتقنون عملهم. يُدهشنا الفنان السبعيني بتشبيه فنّه للمقاومة. بالنسبة إليه، «إيمان المقاوم بقضيته لا يختلف في الجوهر عن إيمان الفنان أو الكاتب بطموحاته وأهدافه». الحديث عن المقاومة يوتِّره بسبب الأوضاع الحالية. لا يوفّر أغلب الزعماء السياسيين من انتقاداته وشتائمه. نحاول أخذ الحديث إلى مكان آخر. ماذا يسمع أثناء عمله؟ يجيب بسرعة: «حسن نصر الله». يهدأ قليلاً، ويضيف: «أنا أسمع القرآن بأصوات أفضل مجوّديه. أم كلثوم بألحان زكريا أحمد فقط. أخيراً أسمع محمد رضا شجريان وعليم قاسيموف».
تخرّج ماضي في «كلية الفنون الجميلة» عام 1962، ولا يزال يتذكر رائحة التربنتين لحظة دخوله إلى مقرها القديم في بناية اللعازارية كـ«عطر لا يُنسى». في العام التالي، سافر إلى روما لاستكمال دراسته. هناك، حيث أقام أكثر من عشرين سنة، صقل ماضي نبرته المتفردة إلى أن صارت إمضاءً خاصاً وماركة مسجلة باسمه. نقول له إن ثمة كلاماً دائماً عن بيكاسو أو ماتيس في عمله؟ «هذا الكلام يأتي من الجهل. من الشائع أن يُقال عن أي عمل جديد وباهر: هذا بيكاسو. إنها ترجمة لعجز هؤلاء عن قراءة ما يرونه». في سنواته الإيطالية، لم ينقطع ماضي تماماً عن لبنان. حاز الجائزة الأولى لمعرض الخريف في «متحف سرسق». درّس في «كلية الفنون الجميلة» في الروشة.
ننتبه إلى أن صاحب مقولة «هناك «فنّانجية» في لبنان لا فنانون» لم يذكر رساماً لبنانياً طوال حديثنا. ألم يتأثر بأحد؟ «أنا مستعد للتعلم، لكني لم أجد من يستطيع أن يعلمني شيئاً لا أعرفه»، ثم يتساءل بمرارة وسخرية: «كم مضى على إنشاء «كلية الفنون الجميلة»، وكم فناناً تخرج فيها؟». ألم يكن هناك زملاء مميزون أثناء دراستك مثلاً؟ بصعوبة، يذكر لنا اسم إبراهيم مرزوق، ثم منير عيدو وشوقي شوكيني. هكذا، نحس بأن ضيفنا يحظى بفرادة أو عزلة إضافية حين يذكر رساماً راحلاً، واثنين آخرين يقيمان في الولايات المتحدة وفرنسا.
الفنان الذي أقام أكثر من سبعين معرضاً فردياً في لبنان والخارج، لا يُخفي طموحه في التفرّد والخلود الذي يلوح ـــــ على أي حال ـــــ في أعماله. لقد اشتغل على هذه الفكرة منذ طفولته. يتذكر أنه كان يلعب «الكلة» وقتها: «أظن أني ما زلت ألعب. اللاعبون المهرة يحبون أن يفوزوا، وأنا لم أخسر يوماً»، ثم يقول مختتماً: «أنا في الفن مثل جبل الشيخ، ولا أحد يستطيع إزاحتي».



5 تواريخ

1938
الولادة في شبعا، جنوب لبنان

1962
تخرّج في أكاديمية الفنون الجميلة،
وسافر في العام التالي إلى روما لاستكمال الدراسة، وبقي هناك أكثر من عشرين سنة

1965
جائزة صالون الخريف في متحف سرسق

1982
ترأس جمعية الفنانين اللبنانيين
عقداً كاملاً

2010
أقام معرضه الأخير في غاليري «عايدة شرفان»،
ووقع مجلداً شاملاً عن تجربته النحتية أعدّه
وقدّم له الناقد جوزيف طراب