ابن العائلة الدمشقية العريقة بدأ ملاكماً، ثم حلم بدراسة السينما على يد المعلم إنغمار برغمان، لكن الراحل هاني الروماني حوّل مساره. الممثل الستيني الذي راكم تجارب مهمّة، في المسرح والسينما والتلفزيون، يعتزّ اليوم بأنه بقي بعيداً عن خلافات الوسط الفني في سوريا


وسام كنعان
لا تحتاج إلى مقدّمات لبدء الحديث مع عبد الهادي الصباغ. الفنان المخضرم يأخذك سريعاً في عربة ذكرياته نحو أيام صار يتعبه الحنين إليها. ابن العائلة الدمشقية العريقة، عرف التمرد منذ الصغر. تنازعته هواجس الرياضة من جهة، والفن من جهة أخرى. في طفولته، لعب كرة السلة ثم اتجه إلى فنون القتال، وتحديداً الملاكمة. لكنّ شخصيته لم تتقاطع يوماً مع هذه اللعبة، هو المعروف بشخصيته المسالمة البعيدة كل البعد عن الخلافات والنزاعات التي اشتهر بها الوسط الفني في سوريا. منذ طفولته المبكرة، أدرك أنّ الحياة مجرد رحلة نحو الموت. لذا «أرى أنّها أقصر من أن نضيعها في الخلافات واستعداء الآخرين».
باركت عائلته شغفه بالرياضة، لكنها احتاطت من ميوله الفنية، وقد حاولت جاهدة إبعاده عن «لعنة» التمثيل! رفع كأس بطولة نادي الجيش السوري، ثم اعتزل الملاكمة إلى الأبد. طيلة سنوات دراسته، كان مثالاً للطالب المهمل الذي لم يعنه شيء سوى الهرب إلى... صالات السينما. وقد ظلّ صامداً في وجه مختلف أشكال العقوبات التي مارستها عليه عائلته لدى اكتشافها تسرّبه المدرسي.
شقيقه الممثل بشير الصباغ ساعده كي تتفتح مداركه على حبّ التمثيل. كان الشقيق الأكبر يمارس نوعاً من العصيان على تقاليد العائلة المعروفة التي عملت في التجارة، وأسَّست معامل ألبسة، ومحالّ ما زالت موجودة في سوق مدحت باشا وسوق الحريقة في دمشق القديمة. أسس بشير فرقة مسرحيّة ضمت عدداً من الممثلين الهواة، وقد استطاع عبد الهادي من خلالها أن يقف على الخشبة للمرة الأولى، ولمّا يتجاوز الخامسة. بعدها، وقف أمام كاميرا التلفزيون في برنامج مخصص للأطفال... هكذا صار ممثلاً.
كان طفلاً حين فارق والده الحياة، فنشأ رابط قوي بينه وبين والدته. كانت تحرص على أن يعيش ابنها الأصغر حياة مريحة. لكن عبد الهادي لم يعرف أن يكون تاجراً ناجحاً مثل إخوته: «لم يجمعني شيء بأشقائي سوى القيم التي تربّينا عليها. منذ نشأتي، تكوّنت لديّ مخافة الله. لم أُقدِم على إيذاء أحد طيلة حياتي. وهذا ما جعلني آمناً من الداخل، ومدركاً أنني سأفارق الحياة مبتسماً لِما صنعت على الصعيد الإنساني والفني».

بعد مشاركته في مسرحية «غربة» مع دريد لحام، صار صديقاً مقرّباً للشاعر الراحل محمد الماغوط
في الثامنة عشرة تعرّف إلى الراحل يوسف حنا، وهو أحد أهم المثقفين في تاريخ الدراما السورية. وضعه حنا على الطريق الصحيح، حين أرشده إلى المسرح العالمي والعربي: «في المرحلة الإعدادية، قرأت توفيق الحكيم، ونجيب محفوظ وبدر شاكر السياب. وفي الثانوية، قرأت الأدب الروسي من دوستويفسكي إلى تشخيوف ومكسيم غوركي».
يتوقّف النجم السوري عند أهميّة ذلك الزمن، حين لم يكن أحد يستطيع دخول الوسط الفني من دون أن يكون متسلّحاً بمعرفة حقيقية وثقافة واسعة. «اليوم، صارت الحياة الفنية تقتصر لدى كثيرين على الشهرة والمال فقط». بعد تخرّجه من الثانوية، قرر السفر إلى استوكهولم بنية دراسة الإخراج على يد المعلّم السويدي الراحل إنغمار برغمان، لأن «المعهد العالي للفنون المسرحية» في دمشق لم يكن قد أنشئ بعد. لكن الفنان الراحل هاني الروماني أقنعه بالبقاء والعمل في المسرح العسكري باعتباره ممثلاً واعداً. هكذا قدم العديد من المسرحيات أهمها «حفلة سمر من أجل 5 حزيران»، و«ليلة مصرع غيفارا العظيم».
بعد ذلك، شارك في أفلام عدة، وواظب على الالتزام بمواعيد التصوير. لكنّه كان يخيب أمله عندما يذهب مع صديقه الراحل ناجي جبر لحضور الفيلم، فيفاجأ بأنه مجرد كومبارس لا تسعفه الكاميرا ولو بلقطة زوم واحدة: «لم يحبط ذلك عزيمتي، لأنني كنت مؤمناً بأن هناك شيئاً في داخلي يجب أن أوصله. ولم تكن لديّ مشكلة في الاستمرار ككومبارس طيلة حياتي لأنّني لا أعرف سوى التمثيل».
بعد ذلك، بنى عبد الهادي الصباغ علاقة وطيدة مع محمد الماغوط، بعدما شارك مع دريد لحام في مسرحية «غربة» التي كتبها الماغوط: «تعرّفت إلى الشاعر الراحل، وكان يحكي لي عن بدر شاكر السياب وذكرياتهما في التسكع في شوارع بيروت من دون أن يملكا ثمن علبة سجائر أو أجرة باص». وهنا نسأله عن رأيه في عودة دريد لحام وعمر حجو إلى مسرح «الشوك»، من خلال اقتباس نصوص صاحب «سأخون وطني» في عرض مسرحي جديد بعنوان «السقوط»، فيقول: «تفاءلت كثيراً، وكنت أنتظر دعوة إلى العمل في المسرحية».
مثّل في «كفر قاسم» باكورة المخرج اللبناني برهان علوية
مسرحية «غربة» أطلقت شهرة الممثل السوري، وتوالت أعماله التلفزيونية مع أهم المخرجين السوريّين، منها مسلسلا هيثم حقي «غضب الصحراء» و«دائرة النار». بعد ذلك، جسّد دور المنذر في مسلسل «البركان» مع محمد عزيزية. بعيداً عن الوسط الفني وأجوائه الصاخبة، نسج عبد الهادي الصباغ قصة حب تقليدية مع ابنة الجيران. تخلى عن ترف عائلته، وارتبط بها ليصبح أباً لطفلين هما شام وطارق. الأخير اختار طريق والده، فأصبح الآن أحد الممثلين الشباب المشهورين في سوريا.
أنجز عبد الهادي الصباغ عشرات المسلسلات السورية، منتجاً منفذاً أو مشرفاً فنياً، إلا أنه رفض الاستئثار بدور البطولة كما فعل كثيرون. في المقابل، واجه منافسة إجبارية من شركات الإنتاج التي استبعدته عن الكثير من المسلسلات. النجم الستيني يستبطن الكثير من الدهشة والإبداع. أحلامه لم تتغيّر، ما زالت مرتبطة بالتمثيل الذي يرى أنه بات، في السنوات الأخيرة، عرضة للاستسهال. شارك عبد الهادي الصباغ، خلال الموسم الرمضاني الأخير، في مسلسلي «لعنة الطين» و«تخت شرقي»، وكان النجاح من نصيبه، وها هو يستعد لإنجاز دوره في مسلسل حلبي كتب نصه عبد الغني بلاط، ويستعد أيضاً لتقديم مسرحية من تأليف لقمان ديركي، إضافةً إلى تجسيد دور في مسلسل بسام الملا المقبل «خان الشكر».
مع ذلك، لا تلمس تفاؤلاً في نظرات عبد الهادي الصباغ الشاردة. يجد أن لحظات الفرح قليلة مقارنةً بالألم الذي يحيط بنا: «ليست هذه النظرة تشاؤمية. إنّها واقعية فقط».


5 تواريخ

1950
الولادة في حي الشاغور في دمشق

1974
عمل في شريط «كفر قاسم» لبرهان علوية. وفي العام التالي أدّى بطولة «الاتجاه المعاكس» لمروان حداد

1976
شارك في مسرحية «غربة» مع دريد لحام عن نصّ محمد الماغوط

1988
شارك في مسلسل «دائرة النار» لهيثم حقي

2010
يستعد لأدوار شتّى في المسرح والتلفزيون مع لقمان الديركي وعبد الغني بلاط وبسام الملا