باسكال سعود

قلة يعلمون أن مدينة جونية كانت قبل سنوات بلدة صغيرة، بيوتها القرميدية المسيجة بالبساتين، تستيقظ وتنام على هدير البحر. وقلة يعلمون بالصراع المستمر بين «السكان الأصليين» الذين يحاولون الحفاظ على مدينتهم من «الغْريب»، و«السكان الجدد» الآتين بالتغيير والتطوير لجعل جونية مكاناً للجميع.
في السوق العتيقة، هناك دائماً بعض العجّز يجلسون على طرفي الشارع يلعبون «الطاولة» (النرد) يشربون القهوة، يراقبون المارين ويعزمون من يعجبهم على فنجان. «عمّو إميل» يخشى على جوني ابنه، فمستقبل أبنائه رهن المتجر الذي سيتركه لهم في السوق العتيقة، مؤكداً أن الطابع الذي باتت المدينة تتسم به يخيف السيدات المحترمات والصبايا فيترددن كثيراً قبل زيارة السوق.
في الواقع، منذ نشأتها عُرفت جونية بسوقها القديمة، دكاكين متراصة حافظت على قناطرها القديمة، ومن ضمنها كل ما يخطر في البال من متاجر ألبسة وأقمشة وأدوات منزلية وجلدية. أما اليوم، فهذه السوق التي جعلت جونية منطقة تجارية وسياحية تعج فيها الحياة نهاراً يقصدها جميع اللبنانيين والسياح للتبضع، تتحول تدريجاً إلى شارع تقوم على طرفيه مقاهي الأرصفة الليلية. فلم تعد جونية تُقصد نهاراً بل تحولت إلى منطقة تقصد ليلاً للسهر في مقاهيها المزروعة على جوانب أرصفتها حيث يجد اللبنانيون والسياح منتجعاً ينسون فيه ضغط الحياة اليومية.
بدأت ملامح جونية تتبدل، وبدأت المحال التجارية تتغير، الشارع الذي كان يضمّ مكتبة ومحلاًّ للأدوات المنزلية وأفراناً ومتاجر للأحذية وغيرها تحول إلى شارع يجمع أهم الملاهي الليلية.
يرى صاحب أول مقهى افتتح في شوارع جونية أن أهم أسباب اختياره لهذه المنطقة كونها سياحية وغير سكنية، بالإضافة الى أسعار الإيجارات التي كانت منخفضة جداً. أما أصحاب المحال التجارية، فمنهم من سارع لبيع محله أو تأجيره إلى أشخاص لتحويله إلى مقهى ليلي، وبعضهم من أراد خوض التجربة وتحويله بمجهوده الفردي حتى مع فقدانه للخبرة في إدارة المقاهي. لكن قسماً كبيراً منهم، فضّل الصمود في محله ومتابعة العمل التجاري وعدم الخضوع لضغط المستثمرين والأسعار المغرية التي يعرضونها عليهم، محاولين المحافظة على أسواق جونية التجارية وتراثها القديم.
جواد، أحد اصحاب المحال في سوق جونية، يرى أن المقاهي الليلية في جونية لن تستطيع الاستثمار في العمل طويلاً فيفضّل المحافظة على محله التجاري وعدم تحويله. أما جاد صاحب محل للأدوات المنزلية، فيرى أن حجم محله الصغير لا يتناسب مع أحجام المقاهي فيخاف على مستقبله في ظل الملاهي التي تجتاح أسواق جونية والموجة التي تأخذ منها ما يصفه بأنه تراثها، الذي يميزها عن باقي المدن السياحية.
بعد الجميزة، تتحول جونية أيضاً إلى مجمع للملاهي الليلية التي تجذب اللبنانيين وسياحاً عرباً وأجانب.
كيف ستتمكن البلدية أو وزارة السياحة من منع تعريض جونية للمشاكل نفسها التي مرت بها الجميزة، والتوفيق بين أصحاب الملاهي وأصحاب المحال التجارية، وجعلها «رمزاً لصمود المواطن اللبناني في أرضه ونموذجاً بلدياً راقياً يقتدى به على المستوى الوطني، وبيتاً دافئاً تعيش فيه مختلف الفئات بانسجام ووئام؟ كما سأل رئيس بلدية جونية جوان حبيش؟