من يزر طرابلس ليلاً هذه الأيام يحسبها مدينة أخرى، إذ أحدث فيها شهر رمضان انقلاباً جذرياً في نمط حياة أهلها اليومي، وفي دورتها الاقتصادية والاجتماعية، وجعل شوارعها وأسواقها تعج بأناس أتوها للتسوق والترفيه من مختلف المناطق الشّمالية


عبد الكافي الصمد
تنقلب طرابلس كل عام رأساً على عقب في الأيام الأخيرة من شهر رمضان، فتتحول خلالها إلى مدينة أخرى لا تشبه ما تعيشه عادة بقية أيام السنة. فعاصمة الشمال التي اشتهرت في العقود الأخيرة بصيت سيئ مفاده أنها تنام «قبل الجاجات»، وأن أغلبية محالها تقفل عصراً، تسهر في شهر رمضان حتى طلوع الشمس، ويتحوّل ليلها إلى نهار يضيء على مدينة «غير شكل».
«أنزل من البيت قرابة الثامنة، ولا أعود إليه حتى الرابعة فجراً»، يقول ربيع العلي القاطن في محلة باب الرمل. و«الضهرة» الرمضانية كما يقول «لتمضية الوقت حتى السحور مع الأصحاب في المقاهي والشوارع التي تعجّ «متل النمل» بالناس من مختلف الأعمار».
محلة باب الرمل، إحدى المناطق الشعبية البارزة، لا ينام أهلها بدورهم قبل طلوع الفجر، ولا تخلو مقاهيها الشعبية وشوارعها وأزقتها من المارة إلا مع شروق الشمس. فهنا «لا تجد محلاً مغلقاً ولو كانت مساحته متراً بمتر»، حسب قول العلي، حيث تنشط «حركة» باعة العصير والقهوة والكعك والمكسرات وغيرهم، فيما مقاهي المحلة، وأبرزها مقهى موسى الشعبي والتاريخي، تزدحم بزبائن يمضون ساعات طويلة فيها للمسامرة وشرب الشاي والقهوة والأراكيل ولعب الورق والنرد، إلى جانب وضع هذه المقاهي شاشات كبيرة من أجل حث روادها على متابعة المسلسلات التلفزيونية فيها، كلٌ حسب ذوقه.
المقارنة بين ساعات قبل الظهر والمساء تبدو واضحة جداً. ففيما «لا يضرب السائق رجله على فرامل سيارته في شوارع طرابلس قبل الظهر إلا نادراً»، على حد قول محمود خالد ابن محلة الزاهرية، فإن «السيارة لا تتحرك من مكانها ليلاً»، سبب «عجقة السير التي تجعل الذهاب بالسيارة إلى ساحة التل أو شارعي عزمي والميناء، مغامرة تستغرق ساعات».
سبب هذه الزحمة أنه ما إن تقترب الساعة من الثامنة والنصف مساءً حتى تتحوّل هذه الشوارع إلى «كاراجات» للسيارات، بسبب تدفق المواطنين إليها من مختلف أحياء طرابلس بعد الإفطار، إضافة إلى مواطنين قدموا من الضنية والمنية وعكار، إلى الأسواق المفتوحة ليلاً، إما من أجل السهر و«الكزدورة»، أو للتسوق والتبضع لعيد الفطر الذي يحل بعد غد.
غير أن ما أسهم في زيادة عجقة الشوارع والأسواق هو هروب المواطنين من بيوتهم ليلاً نتيجة موجة الحر، فضلاً عن قبض الموظفين رواتبهم منذ أيام، ما جعلهم يعملون على «شراء ما نحتاجه للبيت وللأولاد قبل أن يطير الراتب، وتصبح العجقة لا تطاق»، على حد تعبير محمود علم الدين الآتي من المنية بصحبة زوجته وأولاده الثلاثة لهذه الغاية.


في الأحياء التجارية لا تجد محلاً مغلقاً ولو كانت مساحته متراً بمتر
ازدحام الشوارع يبلغ ذروته قرابة العاشرة ليلاً، بالتزامن مع خروج المصلين من المساجد بعد صلاة التراويح، ومع بدء وصول العديد من أبناء المناطق المجاورة إلى طرابلس، ما يؤدي إلى أن تمتد طوابير السيارات حتى تخوم المناطق الشعبية والأسواق القديمة في باب التبانة وبولفار نهر أبو علي والقلعة، ودفع القوى الأمنية وشرطة البلدية إلى فرز عشرات العناصر من أجل تنظيم السير، وإغلاق بعض الشوارع وجعلها في اتجاه واحد بعدما كانت في اتجاهين، للتخفيف من الازدحام الذي جعل إمكانية العثور على موقف لركن سيارة فيه أمراً بالغ الصعوبة.
هذا التحوّل في نمط عيش طرابلس ليلاً، يبرز أحد وجوهه في مقاهي الرصيف التي تكاثرت في السنوات الأخيرة، وخصوصاً في شارع الميناء، حيث أغلب روّادها شباب من الجنسين ومن أبناء عائلات ميسورة، الأمر الذي «يخلق جوّاً مريحاً لنا لا نجده في أماكن أخرى في طرابلس»، على حد وصف نور كبارة وصديقتها نبيلة.
في موازاة ذلك، ومع أن الميناء تشهد ليلاً زحمة مشابهة لجارتها طرابلس، فإن كورنيشها البحري يمثّل العنوان الأبرز لحياة الليل المستجدة موسمياً، إذ بات يضيق بالمتنزهين ليلاً، عدا انتشار عشرات الباعة الجوالين الذين تختلط نداءاتهم على ما بحوزتهم من بضائع، بضوضاء الأولاد الساهرين مع أهلهم هنا، أحد الأماكن القليلة التي يجدون فيها راحتهم بأيسر الطرق وأقلها تكلفة.