لا يهم أهالي بلدة قب الياس البقاعية إن كانت الكسارات تعمل برخص قانونية صادرة عن المجلس الوطني للمقالع والكسارات، أو من خلال المهل الإدارية، جل ما يريدونه «الخلاص» من قذائفها «الصخرية» التي تستهدفهم وممتلكاتهم، مخلفة وراءها أضراراً بيئية وجسدية ونفسية وخسائر اقتصادية


البقاع ــ اسامة القادري
لا يمكن زائر منطقة قب الياس باتجاه عميق، إلا ملاحظة شدة الأضرار اللاحقة بالمباني السكنية في تلك المنطقة. فمشهد التصدعات والتشققات الناجمة عن.. الصخور المتهاوية عليها، يبدأ عند الطريق الرئيسية التي تربط طريق مشغرة البقاع الغربي، بطريق البقاع الأوسط بيروت، وتحديداً في الجهة الجنوبية للبلدة، حيث أحياء البحصاص وعين البيضا ومزرعة بنهرين. أما الغبار، فيكاد يكسو كل شيء بطبقة بيضاء كلسية، أكثر ما تعصر القلب حين تراها تغلف الثمار الناضجة في سهل قب الياس وبساتينها. وبدون سؤال أهل المنطقة، وفور الالتفاتة إلى الجهة الغربية، يدرك الزائر أن التصدعات ليست بسبب القذائف الإسرائيلية، بل «قذائف» الكسارات السبع الرابضة فوق تلة تعلو المنازل، والمطلة على سهل البقاع، في منطقة لا تبعد أكثر من 150 متراً عنها.
الضرر ليس من الكسارات فقط بل الشاحنات التي تنقل البحص، والتي قد يهدد سقوط «صخرة طائشة» منها بكارثة على حياة العابرين، إضافة إلى قلق الأهالي من تغير يرونه في مجرى النهر الشتوي الذي ينبع أسفل التلة التي تعلوها الكسارات. فقد اتسع مجراه كما حصل في الشتاء المنصرم وطاف على البيوت المجاورة.
«عيب عالوزراء والمسؤولين يشوفوا هيك جريمة ويسكتوا»، بهذه الكلمات يعتب نور الدين الحايك القاطن في تلك المنطقة، وصاحب مشروع زراعي، على وزير البيئة محمد رحال، «ابن منطقتنا، الذي يمر يومياً على هذه الطريق، ولا يرى ما تفعله فينا».
يسهب الرجل في شرحه لمرحلة إنشاء تلك الكسارات في كنف الحكومات اللبنانية المتعاقبة، «ما حدا شايفنا الكل شايف مصالح أصحابها»، موضحاً بالوثائق أنهم تقدموا بعدة شكاوى وعرائض إلى وزارة البيئة السابقة والحالية، موقعة من المجلس البلدي والجمعيات الأهلية ومئات الأهالي. وتتضمن شرحاً مفصلاً لمعاناتهم من الكسارات، التي كانت سبباً لإصابة عدد من المواطنين بجروح، وإعاقة دائمة للمواطن محمد العموري، الذي انقلبت إحدى الشاحنات أثناء نقلها «حمولة» بحص على منزله وسوّته بالأرض، فيما كان هو جالساً مطمئناً في منزله، ما سبب شلل ساقيه. ويلفت الحايك إلى أن أصحاب الكسارات، لجأوا إلى المتضررين وساوموهم، «بأن يسحبوا الدعاوى مقابل التعويض»، وهو أمر يفسر رفض عدد من المتضررين الحديث عن المشكلة أمام وسائل الإعلام.
أسئلة عديدة يبحث أهالي قب الياس عن جواب لها، من الوزارات المعنية في ملف الكسارات، بعد انكشاف الأضرار اللاحقة بهم جراء وجودها في منطقة قريبة جداً من أحياء آهلة بالسكان، مقابل قانون واضح يحدد بعدها عن المساكن والطرق وألا تنعكس سلباً على المياه الجوفية والسطحية، بناءً على دراسات اختصاصيين.
أم محمد نبعا القاطنة في مزرعة بنهرين، والتي لا تبعد الكسارات عنها «مرمى حجر»، تقول «لو وضعنا بيسمح ما بنسكن هون يوم». تسكت لتشير بيديها إلى ضفتي مجرى النهر المتكوّنتين من رمال الكسارات وبحصها، «الشغلة المنيحة انو ما بنشتري رمل وبحص، النهر بيجيبن لعنا».
«حطينا دم قلبنا، لعملنا مشروع زراعي نعيش منه»، بهذه الكلمات يسجل خالد حيدر اعتراضه، كونه يملك بستان فاكهة مقابل الكسارات. «غبرة البحص وسمومها تقصر عمر الشجر»، بحسب حيدر الذي اضطر لأن يقلع بستاناً بكامله لم يتجاوز عمره 12 سنة، فيما المعروف أن شجر الدراق يعيش 25 سنة.
يضطر حيدر إلى غسل الشجر مرات عدّة خلال الموسم، لكن الغبار حرمه من تصدير تفاحه الى الخارج، «الغسيل بيعمل بقع بالتفاح والدراق، وما بيقبلوها مغطاية بالغبرة لأنهم يعتبرونها غبرة سامة» يقول حيدر. ويتابع «العمال لا يعملون في بستاني إلا بأجر مضاعف، فما إن يروا الدولاب عم يغزل بالجو بيخبوا روسهم، لأن معنى ذلك أن الكسارات تقوم بالتفجير في أماكن متطرفة إلى جهتهم». يختم ساخراً.
في المقابل لا يرى رئيس بلدية قب الياس ــــ وادي الدلم فياض حيدر، أن هناك من يصغي لمعاناة أبناء بلدته، مؤكداً أنه تقدم بشكاوى عديدة وموقعة من جميع فعاليات البلدة وأهاليها.
لا فرق بالنسبة للبلدية إن كانت غالبية الكسارات تعمل «برخص أو بدون رخص»، «اللي مرخص لازم إعادة النظر برخصته، وتطبيق الشروط القانونية لها»، أما الذي يعمل من دون رخص «فلازم يرفع عنه الغطاء السياسي ويوقف عن العمل». يختم حيدر واضعاً ملف الكسارات في «ذمة وزير البيئة محمد رحال الذي وعد بحل هذه المشاكل».