اختفى أنطوان غوش في إسبانيا. مرّت إحدى عشرة سنة على الحادثة، لكنّ شقيقه شربل لم يهدأ حتى اليوم. لا يزال يتعلّق بخيوط أمل قد تكشف مصير شقيقه المفقود، أمل مُنتظر قد يُحقّ الحق لينال المجرم عقابه. فماذا حصل على متن تلك الباخرة؟


رضوان مرتضى
دخلت باخرة تحمل علماً لبنانياً المياه الإقليمية الإسبانية. «Mary» كان اسم الباخرة التي وصلت إلى مرفأ ويلبا الإسباني صباح يوم السابع من شهر تشرين الأول عام 1999. الاسم لم يُنس، بل ما زال محفوظاً في ذاكرة شربل غوش الذي يحكي أنها كانت تحمل على متنها 23 بحّاراً لبنانياً فُقد منهم واحد، ولا يزال مصيره مجهولاً. لكن هل من الممكن أن ينسى وهو لا يزال يُردّد قضية هذا البحّار المفقود الذي يكون شقيقه الأكبر أنطوان؟ ففي صباح ذلك اليوم الذي يحفظ أفراد العائلة تاريخه جيّداً، كانت المرّة الأخيرة التي شوهد فيها ابنهم أنطوان. حينها، أفاد أحد البحّارة بأنه شاهده في غرفته. بحث زملاؤه عنه فلم يجدوه. بدأت عمليات بحث واسعة دون أن يُعثر على أي أثرٍ له. لم يُعرف إن كان أنطوان قد فُقد في عرض البحر قبل أن ترسو السفينة في المرفأ أو أثناء عملية الرسو. أُرسل تلكس من بحرية ويلبا إلى قسم الاهتمام بشؤون الأجانب في دائرة الشرطة الإسبانية في المنطقة، للإبلاغ عن اختفاء أحد أفراد الطاقم. في هذا السياق، يذكر القبطان نخلة ز. في إفادته، أثناء خضوعه للتحقيق لدى قوى الأمن الداخلي، أن عمليات البحث امتدت لنحو سبعة أيام متواصلة. في المقابل، يناقض أحد البحارة، الشاهد نقولا س.، الإفادة المسوقة من قبل القبطان، فيذكر نقولا في إفادته خلال التحقيق أنه لم يجر أي تحقيق عند اختفاء أنطوان، نافياً أن يكون الإنتربول الإسباني قد حقّق معه أيضاً.

شقيق البحار بصدد رفع دعوى ضد صاحب الوكالة البحرية المالكة للباخرة
التضارب الحاصل في الإفادات أثار الشكوك لدى عائلة أنطوان، فدفع بها إلى المطالبة بالحصول على لائحة اسمية لتحديد هوية الأشخاص الذين كانوا موجودين على متن الباخرة، لكنهم فوجئوا برفض الأمن العام لطلبهم، من دون أن يعرفوا موجبات الرفض. في هذا الإطار، يذكر شربل غوش لـ«الأخبار» أن منعهم من الحصول على اللائحة الاسمية أسهم في إخفاء الحقيقة. فهم لم يستطيعوا استدعاء الأشخاص، إذ يذكر شربل أنه من غير المعقول أن يكون هناك 22 شخصاً (لبنانيون وسوريون ورومانيون) على متن الباخرة، «من دون أن يكون أيّ من هؤلاء يعرف ماذا حصل مع شقيقي».
منذ ذلك التاريخ، بدأت معاناة عائلة أنطوان التي لا تزال تبحث عن حقيقة اختفائه والأسباب الكامنة خلفها. لقد مرّت الأعوام طويلة، لكنّ مرورها لم يكن كفيلاً بأن يُنسي العائلة ابنها الذي اختار الغربة كي يبني مستقبلاً أفضل من ذلك الموجود في وطنه. الأعوام المتراكمة والمصير المجهول للشقيق الشاب مثّلا دافعاً لشقيقه شربل لكي يرى أن مرور 11 سنة هو البداية لرحلة بحثه عن مصير شقيقه أنطوان.
يذكر شربل أنه في صدد رفع دعوى ضد إبراهيم ك. صاحب الوكالة البحرية المالكة للباخرة، والقبطان نخلة ز. بتهمة التقصير وإخفاء الحقيقة. أما عن الأسباب التي دفعته إلى ذلك، فيرى أنهم مسؤولون عن التسبّب بالمعاناة لعائلته طوال 11 سنة. كذلك يتهم شربل القضاء والدولة اللبنانية بالتقصير في كشف مصير شقيقه، فيلفت إلى أن الدولة اللبنانية لم تهتم بهذه القضية منذ بداياتها. لذلك يطالبها بالعودة عن خطئها وفتح ملف تحقيق في القضية مجدداً لتبيان الحقيقة التي مرّ على طمسها أكثر من عشر سنوات.
يذكر شربل أنه يثير الموضوع إعلامياً كي يمارس الإعلام دوره الرقابي على عمل السلطات. فهو بذلك يضمن أنه إذا أُجري تحقيق وفق الأصول، فسيمنع الاهتمام الإعلامي بالقضية التدخلات السياسية التي مورست في الماضي.
يحاول شربل منذ مدّة تسليط الضوء على قضيته عبر الإعلام لكي تنال الاهتمام اللازم، لكنه لم يصل إلى مبتغاه حتى هذه اللحظة. كذلك يتحدّث عن محاولته التواصل مع عدد من المسؤولين السياسيين ليقفوا إلى جانبه، فيذكر أنه أرسل رسالة إلى رئيس الجمهورية منذ نحو أسبوعين يعرض فيها الظلم اللاحق بعائلته جرّاء عدم إحقاق العدالة بشأن كشف مصير شقيقه ومحاسبة المقصّرين، لكنه لم يحصل على أيّ ردّ.


لقطة

يتحدّث شربل غوش عن لومٍ يُوجَّه إليه، فيُقال له إنه يفتح الملف اليوم لينكأ به جُرحاً يكاد يكون قد دُمل خلال السنوات الـ11 التي مرّت. لكنّ شقيق المفقود يردّ على موجّهي اللوم باعتبار هذه السنين بداية الطريق لكشف مصير أنطوان. يقول شربل إن الدافع إلى إعادة فتح الملف في هذا التوقيت كان مساعدة قدّمها له مكتب وزير الداخلية للحصول على اللائحة الاسمية للأشخاص الذين كانوا على متن الباخرة من النيابة العامة التمييزية.
وجّه شربل شكراً إلى وزير الداخلية زياد بارود الذي فتح له باب الانطلاق إلى الحقيقة التي طمسها التقصير والتدخل السياسي لبعض النافذين، ويشير شربل إلى أنه قد بدأ رحلة البحث عن هؤلاء الأشخاص الذين لا بدّ أنهم يعلمون ماذا حصل لشقيقه عندما كان على متن الباخرة، وهم 22 شخصاً من ثلاث جنسيات مختلفة. لذلك، هو يأمل أن يكون جميع هؤلاء على قيد الحياة ليساعدوه. كذلك يطلب شربل من المسؤولين الذين سمعوا صرخته أن يساعدوه في مطلبه.