أليسار كرم

خاض القرطباويّون مغامرة إثبات الوجود لاستعادة مكانتهم السياحية التي كادت تضيع منهم بعد ست صيفيات «باهتة» لا حركة فيها ولا بركة، على حد تعبيرهم. هكذا، تمكّنوا من إعادة البريق إلى بلدتهم الأكبر في جرد جبيل (8.5 كلم²)، ونفخوا فيها روح «العيد الدائم» الذي بدأ بعشاء قروي ضخم في 14 آب، واختُتم بـ«كرنفال ريو ـــــ قرطبا» الأحد الفائت. خلال شهر واحد فقط، وبجهود متطوعين، بدت قرطبا «أرضاً طيبة» فعلاً، كما يعني اسمها الفينيقي الأصل (كوردوبا)، وأثمر فيها قرار القرطباويّين تخطي الحساسيّات السياسية والعائلية، إنجازَ 11 مجسّماً متحركاً و11 رقصة تتعانق فيها الألوان والإيقاعات وحركات الأجساد المتمايلة أمام قرابة 7000 متفرّج، وفق مصادر في البلدية.
المهندس ماجد كرم، ابن قرطبا الذي لم يتردّد في توظيف إمكاناته لإنعاش قريته التي لا تبعد أكثر من 57 كلم عن العاصمة، صمّم المجسمات ونفّذها. وبعدما اعتاد العمل على مجسّمات سيارة تتمحور حول موضوع واحد، توصّل مع لجنة مهرجان قرطبا إلى صيغة جديدة «وصلتني عشر أفكار اقترحها المتطوعون للعمل، لكنها لم تكن كلها قابلة للتنفيذ، إما لضيق الوقت، وإما لكلفتها الكبيرة، لذلك اخترنا ستاً منها ثم أضفنا أربعاً ترتبط بالتراث. ومثّل كل مجسم موضوعاً مستقلاً: قهوة القزاز، التفاحة، الفلاح، حصان طروادة، مدينة الملاهي، الكرة الأرضية، مصادر الطاقة البديلة وغيرها».

لجأنا إلى تقنية مجسّمات الفلّين المعتمَدة في البلدان المعروفة بالكرنفالات
المهندس الشاب الذي أنجز قسماً من المجسّمات السيارة في باحة النادي الثقافي والرياضي في قرطبا، وضع القسم الآخر في باحة منزله التي تحولت إلى مشغل لا يهدأ في ظل السباق مع الوقت. شرح كيفية «التذاكي» للإنجاز قبل انتهاء المهلة القصيرة «لم نستعمل الحديد أو الخشب في كل المجسمات، بل لجأنا إلى تقنية أكثر ذكاءً، هي المعتمدة في ريو دي جانيرو وإيطاليا وغيرهما من البلدان التي تقيم كرنفالات كبيرة، وترتكز على استخدام الفلّين لأنه أخفّ وزناً، ويساعد على إبراز التفاصيل ونحتها والاقتراب من الشكل الطبيعي. كما يسمح بصناعة مجسمات متحركة». يطمح المهندس إلى مزيد من الإبهار، ويؤكد أن الإمكانات المالية المحدودة (في ظل غياب الدعم من وزارة السياحة) تعيق تنفيذ الأفكار، إضافةً إلى «إصرار البعض على الاستمرار في النهج القديم الذي لم يعد مواكباً للشكل العصري للكرنفال». بحزم يقول «العام المقبل سنزيّن الشوارع أكثر ونغنيها بالألوان وسنسعى إلى أن يمتد الكرنفال من السبت إلى الأحد».
ويقدّر عضو بلدية قرطبا ولجنة المهرجان المحامي سيمون كرم أنّ «الكلفة الإجمالية لمهرجان قرطبا وصلت إلى 50 ألف دولار وُفّرت من تبرعات أبناء القرية، ومن المؤسسات التي شاركت في رعاية الكرنفال، إضافةً إلى مساهمة البلدية، التي وقفت إلى جانب العاملين في المهرجان بشتى الوسائل، وهمّها الأكبر تحقيق النجاح من دون ادعاء الضخامة» وفق تعبيره. وأشار إلى أن «قرطبا ربحت التحدي وأثبتت للمشكّكين أنّ نجاح المهرجان ممكن عندما تتعاون البلدية مع اللجنة المنظّمة ومع المتطوعين المؤمنين بجدوى العمل المجاني». ورأى أنّ «اختتام المهرجان بكرنفال جمع بين التاريخ والحداثة، وحاكى اهتمامات الشباب والكبار، واستضاف فرقاً محترفة لتقديم استعراضات راقية، مثّل مفاجأة كبيرة».
وكان مهرجان قرطبا قد افتُتح بمعرض للوحات الزيتية في قاعة «النادي الثقافي الرياضي الاجتماعي» للفنانين بيار بو غاريوس وريتا غالب كرم وأنطوان عطا الله، وبعشاء قروي في باحة النادي تضمّن مأكولات «من ديّات ستات البيوت». واستُكمل المهرجان على مدى شهر بسلسلة مباريات في طاولة الزهر وكرة السلة ولعب الورق والرماية (تيرو). واسترجع المهرجان تقليداً سنوياً طريفاً يتمثّل في سباق الحمير، كان قد بدأ أيام «المكارية» يوم كان للحمار دور وحاجة. وتخلّلت المهرجان حفلة تنكرية للأطفال وأمسية موسيقية أحيتها أوركسترا قوى الأمن الداخلي.