ضحى شمس

لمارون عبود في قلبي مكانة خاصة. فالكاتب الذي توفي أوائل الستينيات هو أحد أدبائي المفضلين، لأسلوبه الساخر السهل الممتنع، وأفكاره التقدمية المبثوثة في كتاباته، مثله في ذلك مثل سعيد تقي الدين وأحمد فارس الشدياق. لكن مارون عبود، الذي دفعني الفضول إلى زيارة بيته في قريته عين كفاع ذات يوم من عام 1997، أصبح ذا مكانة لا ينازعه عليها أحد منذ تلك الزيارة. فقد «اكتشفت» في المناسبة، فضلاً عن عائلته الجميلة، أنه سمّى ابنه الأوسط محمداً، تيمناً باسم النبي العربي، مطبّقاً بذلك اقتناعاته في قضية الهوية. وما زلت أذكر المرة الأولى التي رأيت فيها محمداً: كان فلاحاً في نهاية الكهولة، منصرفاً إلى العناية بالبستان المحيط بالمنزل الوالدي، يثير في نفس الناظر إليه اضطراباً لشدة شبهه بأبيه الراحل. كان الرجل، تماماً كما يظهر في الصورة أعلاه، واقفاً وسط البستان، مُنهالاً بتلك «الشوكة» (نوع من المعاول) على كتل التراب يفتتها تحت أقدام الشجر. لم يبارح محمد، المصاب بنوع طفيف من التوحّد، منزله الوالدي برغم أن إخوته جميعاً انتقلوا إلى مدن الساحل. بقي هناك، بقرب «أبو محمد» في عين كفاع، كما كان يحلو له أن يسمي والده الذي يزين تمثال نصفي له باحة المنزل. لكن أهمية محمد لا تأتي من شخصه، بل من كونه شاهداً حيّاً على صدق اقتناعات والده الذي كان يجمع إلى بلاغة الأدب، شجاعة الثوار وتفاؤلهم، وسخرية الرؤيويين. كان اختيار مارون عبود لاسم ابنه ثورة صغيرة، إعلان عصيان على سلطة الطوائف المطلقة، نوعاً من بلاغ رقم واحد، يصوّب الانتماء إلى الهوية الجامعة التي تصنع وطناً، لا إلى الهوية التي تقسم الوطن بين أبنائه. تحوّل الطفل الوليد ذو الاسم «الغريب»، إلى قضية هوجم والده بسببها، وانقسم الناس في ذاك الوقت مع وضد. لا تنسوا، نحن في عام 1930. يروي مارون عبود: «رزقت ولداً، فسمّيته محمداً، فقامت قيامة الناس، فريق يستهجن ويقبّح ويكفّر، وفريق يوالي وينتصر. وكان أوّل من قدّر هذا العمل وأعجب به أشدّ الإعجاب، صديقي المرحوم أمين الريحاني». ومن أجل محمد القضية، نظم الأديب قصيدة محمد، التي أرادها ربما شرحاً لدوافعه، يقول فيها: «عشت يا بني/ عشت يا خير صبي/ ولدته أمه في رجبِ/ فهتفنا وأسمُهُ محمدٌ/ أيها التاريخ لا تستغربِ/ خَفّفِ الدهشةَ واخشعْ إن رأيتَ/ ابنَ مارونٍ سميّاً للنبي/ اُمّه ما ولَدتْهُ مسلماً أو مسيحياً ولكن عربي/ والنبيُّ القرشيُّ المصطفى/ آية الشرق وفخر العربِ/ يا ربوع الشرق اصغي واسمعي/ وافهمي درساً عزيز المطلبِ/ زرع الجهل خلافاً بيننا/ فافترقنا باسمنا واللقبِ/ «فالأفندي» مسلمُ في عرفنا/ والمسيحيُّ «خواجه» فاعجبي/ شغلوا المشرق في أديانهِ/ فغدا عبداً لأهل المغربِ/ يا بني اعتزَّ باسمٍ خالدٍ/ وتذكّرْ إن تعشْ أوفى أبِ/ جاء ما لم يأِتهِ من قبلهِ /عيسويٌّ في خوالي الحقبِ/ فأنا خصمُ التقاليد التي ألقتِ الشرقَ بشرّ الحَرَبِ/ بخرافاتِهِِمِ استهزئ وقلْ: هكذا قد كان من قبلي أبي/ وغداً يا ولدي، حين ترى/ أثري متبَّعاً تفخر بي/ بكَ قد خالفتُ يا ابني ملّتي/ راجياً مطلعَ عصر ذهبي/ عصر حرية شعبٍ ناهضٍ/ واتحادٍ لبقايا يَعرُبِ».
كان ذلك يا سادة يا كرام منذ ثمانين حولاً، لا أبا لك يسأم. كان ذلك قبل 8 و14 آذار، قبل كوندوليزا رايس «داية» الشرق الأوسط الجديد وبوش الثاني. كان ذلك قبل حملة شطب المذهب عن الهوية، و«لا» للطائفية، و«قوم فوت نام» لزياد الرحباني. كان ذلك قبل تفاهم مار مخايل والجنرال عون والسيد حسن نصر الله والمقاومة. لم ير محمد «أثر» أبيه متبعاً كما نعلم، حال لطف الله به، دون خيبة كبيرة. لكنه بقي «فلاحاً مكفيّاً» في عين كفاع، متفادياً خلال الحرب الأهلية المرور على حاجز البربارة، الذي لو كان قد مرّ به، لما كان تاريخ وفاته الجمعة الماضية.
مات محمد مارون عبود، عنوان ثورة أبيه، ونحن لا نزال نحاول. كأنها لعنة سيزيف حلّت بنا، فلا ننفك نرفع صخرة ما يوحدنا إلى أعلى الجبل، حتى تعود الطائفية فتدحرجها فوق رؤوسنا ملقية بنا أسفل سافلين. إن عاد مارون عبود اليوم فهل كان يسمي ابنه محمداً؟ شيء ما يقول لي نعم. ربما هو التفاؤل. أما محمد، فهو اليوم حيث كان يريد أن يكون دائماً: في حضن أب طليعي لا يموت ذكره.