محمود عبد الغني
أذهب إليه، لأنّه لن يأتي كي يلقاك. لن تجده إلا في «شفشاون» أو «الشاون» تلك المدينة الأندلسية البيضاء والزرقاء، فمنذ أن غادر طفولته، أضرب عن التنقل. «أحياناً أشعر أنّ حياتي انتهت مع انتهاء الطفولة. وما توالى بعدها من أيام وسنين إنما هو وقفة على الأطلال». هكذا يقول الشاعر المغربي
عبد الكريم الطبال الذي يعيش اليوم على ذكرى الطفولة. كل مَن يراه في المؤتمرات أو في الأمسيات الشهرية التي تُعقد في مسقط رأسه الشاون، يشعر أنّه أمام رجل مرهف، شديد الشفافيّة. إنسان يؤمن بالخيال كطاقة في الوجود، وبالذاكرة التي تنثال منها صور الماضي الجميل ولحظاته الهاربة. تلك الذاكرة هي وقود شعره. ومَن يرَه هادئاً، خفيض الصوت، خفيف الخطى، لا يصدق أنّه هو نفسه ذلك الطفل الذي كان يسبح في الماء، ويتسلّق الأشجار، ويسهر تحت المصباح الشحيح، ويقلّد مع أترابه في حومة «السويقة» (تصغير سوق في اللهجة المغربية)، الحرب الإسبانية المشتعلة وراء جبل طارق. يقول «الطفولة في زمن الحروب أو الثورات تخلّف ذكريات أكثر من الطفولة الهادئة أو السعيدة».
كان صغير الحجم، فاستحق من أصدقائه اسم «كريمو». كل ذلك سجّله الشاعر في قصائده، قبل «فراشات هاربة»، سيرته الذاتية التي لم يقل فيها كل شيء ــــ رغم كل بوحه ــــ أو لم يقل ما كان منتظراً منه قوله. ربما لأنّ عبد الكريم من الشعراء المسكونين بفنّ التورية، ومراكمة الذكريات واحدة فوق الأخرى، من دون نية حقيقة في الكشف عما يمكن أن يعرّي أو يرفع الستارة.
عندما تلتقيه، وبعد أن تكون أنت من ذهب إليه وبادره بالتحية، تجد أنّ كل الناس يتكلمون، فيما عبد الكريم الطبال هو الصامت الوحيد. وهذا عذاب قد يقاسيه قارئ شعره. لكن الوجه الآخر لهذا الشاعر هو تجربته الصادقة في قراءة الشعر العربي منذ أقدم شاعر إلى أحدث شاعر، ومتابعته كلَّ الصحف الناطقة بلغة الضاد. وفي الكثير من الأحيان، يلمّح بيأس ــــ خلف سياق نقده ــــ إلى ما آل إليه الشعر المغربي من دون إطالة في «تشريح النص» أو ذكر الأسماء. إذ يعتبر أنّ «تسمية حامل العيوب هي من أكبر الخطايا، وكل من يسمّي عليل الشعر أو صريع الأدب، لا بد من أن يحضر من أجله ملاك الموت ويحمله بعيداً عنّا».
عبثاً يبحث المرء عن الأشياء المثيرة في حالة الطبال. حياته خالية من ألعاب السيرك. وحتى القصائد التي كانت تنشر له في الملاحق الثقافية للصحف المغربية كـ«الاتحاد الاشتراكي» و«الأنيس»، و«آفاق»... عاجزة عن مدّك بمزيد من المعطيات عن حياة الشاعر.
نعرف أنّه تابع تعليمه في «كلية القرويين» ابتداءً من عام 1947. ثم التحق في عام 1954 بالمعهد العالي في تطوان. وقد حصل على الإجازة في الدراسات الإسلامية. وبعدها، عمل في التعليم الثانوي في الشاون إلى أن أحيل على التقاعد.
قصيدته عن الأب «ذو اللحية الشاردة والعمامة الفوضوية» لا دلالة فيها عن الأب، لولا إرشاد الطبال وتصريحه. لكن المؤكّد أن هذا الشاعر يجدد دائماً في أدواته ولغته، وأن طاحونته تعمل في صمت. والمحظوظ هو من يلتقي الطبال في الجبل ضمن ندوة أو أمسية حيث يراه بطربوشه المغربي، وبأصابعه المرتجفة، يمسك بالأوراق ويقرأ شعره. محظوظ لأنك ستستمع إلى صوت النافورة في أوج تفجّرها. ولن تسكت نفسها إلا حين ينفد مخزونها. والاستشهادات تبدأ من عباس بيضون إلى سركون بولص وشاكر لعيبي وكاظم جهاد ومحمد السرغيني، هذا الشاعر المغربي الذي كان الطبال يتابعه منذ مجلة «الأنيس».
الشاعر الذي بدأ النشر في مجلة «الأنيس» عام 1954، وأسّس مجلة «الشراع» وأسهم في تحريرها إلى أن توقفت عن الصدور عام 1965، يحيا في الآونة الأخيرة مع ابن عربي وأبي حيان التوحيدي وغيرهما من فلاسفة التصوف. يقول «ربما كان هذا هروباً مني أو بحثاً عن النماذج التي كانت تمثّل في تاريخنا الإنسان الذي عاش حياته بكل عمق. الإنسان الذي ناضل في عصره وتاريخه، الإنسان الذي كتب عن العالم الذي نبحث عنه».
لا يعاني الطبال أمراض العمر، أو هكذا يراه أصدقاؤه وسكّان مدينته حيث أسهم في تأسيس «مهرجان شفشاون الشعري». هو يرفض الحديث عن أمراض الشيخوخة، والأكيد أنّها كلمة لا يحبّها بتاتاً. يقول: «الجسد ينكسر مهما اعتنينا به، مثله مثل الأشياء». وكم من مرة يصبح الجسد مثل «الأشياء المنكسرة»، نرغب في استبداله بآخر أكثر عافية، كأننا شخصية من شخصيات الروائي حنيف قريشي. لكن من أين أتت تلك البحة في الحلق، والشاعر صاحب ديوان «أشياء منكسرة» لا يدخن ولا يشرب؟
لا يعتبر الطبال أن الشاون مدينة في قمة الجبل، بل هي «قطعة من السماء، ما دامت غير ممتلئة بالمحال التجارية المحشوة بالكاميرات المخبأة في الزوايا، وبالسيارات السوداء التي يسوقها الشباب المحموم بسرعة مخيفة كأن الشارع حلبة سباق». لكن ماذا يفعل الطبال، عندما يخرج إلى الشارع، ويلاقيه الناس ويحيّونه؟ هناك أيضاً مَن يطلب منه بعض النقود. هذا الرجل الطيب لا يلاقيه طالبو الإحسان في الشوارع، بل يذهبون إلى بيته، والشاعر يغدق بسخاء، كأنه يدافع عن السعادة ويتمسّك بالحياة وأشيائها الصغيرة.
سعادة الآخرين، المعدمين، ليس غريباً أن تكون من مشاغل الرجل الذي ينشر أشعاره في الملاحق الثقافية الأسبوعيّة في المغرب. قصائد، تعيد ربط الشاعر الستيني بحداثة تتكوّن وتنمو بسرعة في الشعر المغربي. كأنّه كان يخوض حملةً تطهيريةً لتخليص الشعر المغربي من بيانيته وكلاسيكيته التي طالت أكثر مما يجب!



5 تواريخ

1931
الولادة في مدينة شفشاون، شمال المغرب

1953
حصوله على شهادة البكالوريا

1971
صدور ديوانه الأول «الطريق إلى الإنسان»

1994
جائزة المغرب عن ديوانه «عابر سبيل»

2010
تكريمه في «الملتقى الدولي الإبداعي الأول»
في مدينة تطوان