يتابع طلاب كلية العلوم، الفرع الأول في الجامعة اللبنانية تقديم دراساتهم. اليوم، ستناقش في أروقة الكلية دراسة أوليّة للطالب إبراهيم رمّال تؤكّد تلوث الحوض الأدنى لنهر الليطاني


محمد محسن
صباح اليوم، ستنضم دراسة جديدة إلى الدراسات العلمية التي يعدّها طلاب كليّة العلوم، الفرع الأول، في الجامعة اللبنانية، وتهمل الدولة بوزاراتها المعنيّة متابعتها وتمويلها والعمل بتوصياتها. يدرك الجميع أن مياه لبنان، على تنوّع مصادرها، ملوّثة. باتت الفكرة بديهية بالنسبة إلى المواطن. يشربها يومياً. اليوم، يعرضها طالب الماستر 1 في اختصاص الكيمياء والفيزياء إبراهيم رمال، من خلال دراسة أوّلية أعدّها وتتناول «الخواص الفيزيائية والكيميائية للمياه السطحية في الحوض الأدنى لنهر الليطاني». قبل الحديث عن نتائج الدراسة وتوصياتها، تجدر الإشارة إلى أن السبب الرئيسي وراء اختيار رمّال منطقة الحوض الأدنى من الليطاني، الممتدة من قليا وصولاً إلى القاسميّة، هو ندرة الدراسات التي تتناول هذه المنطقة من النهر تحديداً، فـ«دراسات كثيرة تناولت الليطاني ولكن من حوضه الأعلى»، كما تؤكد المشرفة على الدراسة، جمانة الطفيلي.
على خرائط هيدرولوجية جهد برسمها طوال الأشهر الماضية، سيشرح رمّال نتائج الدراسة التي أُخذَت عيّناتها المائية من 8 نقاط في الحوض الأدنى، بمعدّل 3 عينات من كل نقطة، خلال أشهر حزيران، تموز، وآب. أمّا نقاط سحب العيّنات، فقد اختيرت بعناية، وتم التركيز على نقاط التدفق والمصبّات، حيث تتفرع المياه نحو روافد النهر الكثيرة.
تكشف نتائج الدراسة عن أن التلوث يختلف باختلاف مكان الدراسة وزمانها، لكنها تجزم بأنه موجود، من خلال عناصر كيميائيّة ومعادن ثقيلة سامّة ومضرّة بالبيئة والإنسان. ففي الحوض الأدنى، الموصوف بقربه من المناطق الزراعية، أظهرت الدراسة أن نسبة التلوث تفوق المعايير الدولية المسموح بها. وتتأثر نسبة التلوث بالمكان والزمان، وخصوصاً عندما تكون الزراعات كثيفة، وفي شهري تموز وآب حيث ترتفع درجة الحرارة ويعلو مستوى التبخّر. كذلك، أكّدت دراسة العناصر الكيميائية في ماء النهر، بوضوح، أن معدّل وجود عنصر النيتريت خطير، ويتخطى معايير الصحة البشرية وهو ناجم تحديداً عن التّلوثين الزراعي والصناعي. في المقابل، تظهر الدراسة أن كمية الأمونيوم في الحوض الأدنى لليطاني تتوافق بمجملها مع المعايير المحلية والدولية. لكن رغم ذلك، ارتفعت هذه الكميّة إلى حدّها الأقصى في شهر آب، وخصوصاً في منطقتي القاسمية وطيرفلسيه، أمّا السبب؟ فهو النفايات المنزلية ومياه الصرف الصحي المسلّطة على مجرى النهر. وفيما أعطى فحص المعادن الثقيلة كالنحاس والمنغنيز والزنك نتائج مرضية تتوافق مع المعايير العالمية، دلت الفحوص الأخرى على أنّ معدني الكادميوم والحديد موجودان بكميات ذات خطورة عالية في كل منطقة الدراسة، وفي أشهر الصيف الثلاثة التي جرت خلالها.
في الخلاصة، عرض رمّال وفريق البحث الملوثات الميكروبيولوجية، وخصوصاً تلك التي تحدد نسبة تلوث المياه. النتيجة مخيفة: كلّ العيّنات التي جُمعت من منطقة الدراسة ملوثة، ولا تتوافق مع المعايير وتدل على التلوث بالمياه المبتذلة والنفايات.
على مستوى التوصيات، شدّد فريق البحث على وجوب دراسة كل العوامل الفيزيائية والميكروبيولوجية التي تحدد جودة المياه في الحوض الأدنى لليطاني. تالياً، بات واجباً «الضغط من أجل تحضير مواصفات لبنانية خاصة بمياه الأنهار ومياه الري» كما جاء في التوصيّات. كما دعت التوصية الثالثة إلى «إنشاء محطات لتكرير المياه المبتذلة حتى لا تلوث مياه نهر الليطاني بأكملها»، فضلاً عن « تكثيف الدراسات والأبحاث التي تشمل الحوض الأدنى لليطاني».
وتوسّعت التوصيات لتشمل ضرورة وضع إطار مؤسساتي يكفل مشاركة المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، ووزارتي الزراعة والموارد المائية والكهربائية، وكليّات الجامعة اللبنانية، البلديات والمجتمع المدني، من أجل العمل على الحماية المستدامة لمياه نهر الليطاني.


على الوزارات المعنية تلقّف الدراسات الأكاديمية والتحرك

أمّا التوصية التي يبدو أنها تتكرر من دون إصغاء المعنيين في الدولة إليها، فقد تمحورت حول تشجيع ودعم الأبحاث العلمية في المجال البيئي عامة، ومجال تلوث المياه خاصة.
وتختم الدراسة توصياتها، بضرورة دعم المختبرات البحثية، كتلك الموجودة في كليّة العلوم، أي مختبر «علوم المواد، المحفزات، البيئة والطرق التحليلية (MCEMA )». تشير الطفيلي إلى أن الدراسة، على أهميتها، هي «دراسة أوليّة، تحتاج إلى تمويل لإكمالها»، فهناك أكثر من 8 نقاط تجب دراستها، إذ إنه «يجب ليس دراسة المجرى فحسب، بل ينبغي دراسة كل المصادر المحيطة بالنهر من آبار وينابيع ومطامر». أبعد من ذلك، تؤكد الطفيلي أنّ مثل هذه الأبحاث «تحتاج إلى طلبة دكتوراه لدراستها ولإيجاد حلول للتلوث الذي يفتك بها. على الوزارات المعنيّة وخصوصاً وزارة البيئة تشجيع هذه الأبحاث وتمويلها، كما ينبغي تأمين منح للطلاب». أمّا ابراهيم، فحاله من حال زملائه في كلية العلوم. يجمعون بين الدراسة والبحث وتقديم الامتحانات الخطية. استغرقت الدراسة منه 6 أشهر مضنية، توزعت على مجاري النهر والمختبرات وكلية العلوم. قدّم رمّال نتائج أبحاثه. النهر الذي يشرب منه ويسبح فيه المواطنون، ملوّث بكثرة. هل من ينقذ الوضع؟


مجهود مشترك

أنجز إبراهيم رمال (الصورة) الدراسة، بمساعدة الطالب في حلقة الإجازة زكريا علم الدين. غطّى «مختبرعلوم: المواد، المحفزات، البيئة، والطرق التحليلية» تكاليف المشروع. وأشرفت عليه الأستاذة جمانة الطفيلي، بالتعاون مع المهندسة ندى نعمه من كلية الزراعة في الجامعة اللبنانية، والدكتور سالم حيّار، مدير مختبر كفرشيما. ساعدت مصلحة الليطاني عبر الأساتذة: أمين شعبان، إيهاب جمعة، ومارك سعادة