ضحى شمس

كانت نشرة الأخبار في منتصفها. يرن هاتفي الخلوي، فيخفض السائق العجوز صوت الراديو من باب الكياسة لأتمكن من سماع محدثي. حركة آلية في غاية الرقة والتهذيب بين غريبين. ما إن تنتهي المكالمة حتى أسأله «ممكن ترفع الصوت شوية تنسمع الأخبار؟»، يسارع الرجل إلى تلبية الطلب، وهو يقول إن الأخبار انتهت. لكنه يردف: «كانوا عم يقولوا ان النيابة العامة ستستدعي (الجنرال جميل) السيد. بس هلق عالساعة سبعة منعرف شو غلّة النهار؟». غلة النهار؟ تسأله مستغرباً فيجيب: «وك ايه. كيف نحنا الشوفارية آخر النهار منعدّ الغلة؟ هيك الصبح كل واحد «بيضرط» بالإعلام، آخر النهار بيحسب عدد القتلى والجرحى». تضحك بشيء من الخجل، فالرجل في سن والدك وهو لا شك متعب من القيادة في هذا الحر. يتشجع قائلاً بحزن هذه المرة: «البلد مش مرتاح. في شي بدو يصير بالشارع. سمعتي (سمير) جعجع؟ قال بدو ينزل ع الشارع». تقول له إنه من الجيد أن أحد كبار مجرمي الحرب، ولو أنه لم يبد توبته أو يطلب الصفح من أهل ضحاياه، أخذ يحتكم إلى التظاهر للتعبير عن رأيه بدلاً من تنزيل ميليشيا مسلحة، فيقول: «أي مظاهرة؟ عم يقول هيك حتى يحركش تحت غطاء المظاهرة. بكرة بيقولولك انو واحد قوّص، أو تقوّص عليه، والبلد مش مرتاح يا بنتي. بلد منتهي».
نحاذي تمثال بشارة الخوري، ونتوقف لإشارة الشرطي. لا يزال الشرطي يمشي الخطوط الأخرى. يشيح العجوز ببصره كمن يقطّع الوقت، ناظراً إلى تمثال رئيس الجمهورية الراحل الشيخ بشارة الخوري ويقول: «أنو معقول هالتمثال؟ كل هالكرش؟ طيب ما هوي تمثال وتمثال، خففوا له شوية من كرشو، عيب يقولوا انو كان يحب بطنو هالقد. بعدين اوفر، بيصير يكلف أقل للمثّال (للنحات). يعني أذكرو حسنات موتاكم». لا تعليق. ينظر في المرآة فيراني أحاول كتم ابتسامة، فيتشجع ويسالني: «بعدين فيكي تقوليلي ليه عاملين كل التماثيل دايرين وجوههم على الشرقية؟». للحظة، لم أفهم. مع أنني ابنة الحرب الأهلية، لكني فطنت بعدها إلى أنه يقصد المناطق المسيحية التي كان يشار إليها بلفظة «الشرقية» خلال الحرب الأهلية. وهي مفردة تنبهت أيضاً إلى أنني لم أعد أسمع الناس يرددونها، منذ زمن ليس بطويل. تسأله مستهجناً استهجان الخائف من هذا «الظهور» المفاجئ لمفردة من أشباح الماضي التعس: «كيف يعني دايرين وجهن للشرقية؟ معقول هالحكي يا عم؟»، فيتمم جملته بتحد من فكر طويلاً بنظريته وهو واثق منها: «ويا ستي.. وقفاهم للغربية كمان». تضحك ظناً منك أنه ينكّت، فيأخذ بتعداد تماثيل الساحات العامة في بيروت «طيب يا ستي. وتمثال رياض الصلح؟ داير وجهه للأشرفية وقفاه لألنا. خذي... حبيب أبو شهلا. نفس القصة. وين كمان؟ اللهم صلي على النبي...»، تقول له إن نظريته غير صحيحة، بدليل أن تمثال الجندي الممسك بميزان العدالة أمام المحكمة العسكرية، يولي وجهه في اتجاه آخر. فيجيب ساخراً: «ايه؟ لوين داير وجهه؟ للسفارة الفرنسية (يقصد قصر الصنوبر حيث كانت السفارة الفرنسية قبل انتقالها)». يضيف: «المحكمة الدولية يعني. انو شو الفرق بين الفرنساوية والشرقية؟ ما هيدا أصل البلاء بهيداك. ما حدا خارب بيت الموارنة الا الفرنساوية». ومع أنك تضحك، إلا أنك فجأة تخاف. تخاف لأن من يقول هذا الكلام رجل عجوز، عاش إلى الحرب الأهلية، حروباً أخرى. هل دخلنا الحرب الأهلية بدون أن ندري؟ هل الحرب الأهلية هنا؟ بيننا؟ الآن؟ تبدو الجماعات الطائفية وكأنها منجذبة بقوة قاهرة للاقتراب من الهاوية. ويبدو الناس، وكأنهم يتشبثون بالأرض بأظافرهم، بما يمنعهم من الانجراف إليها. فجأة، تجد نفسك في موقف مضحك مبكٍ: تحث ذاكرتك على تذكر.. تمثال غير موجه إلى... الشرقية، لتقنع العجوز، لتقنع نفسك، بأن نظريته تافهة، وأن هذا النوع من التفكير، من الكلام، هو الذي يقودنا إلى الهاوية. وأن البلد ليس بهذا السوء، ليس بهذه الهشاشة. تتذكر تمثال جبران خليل جبران في حديقة الإسكوا، تقول له كمن عثر على لقية: «جبران قدام الاسكوا؟». فيسألني: «جبران؟ أي جبران؟ وين يعني؟»، ثم يردف ساخراً: «أنا جبران مش منتبهلو، بس شفتي تمثال الله يرحمو (رفيق) الحريري؟ يا اختي حتى الحريري، دايرين له وجه عالشرقية». كنت قد وصلت، فلم أجد أمامي إلا القول وأنا أهمّ بالنزول من السيارة: «لكنه لا يدير لنا قفاه، بل للبحر يا عم». فإذ به يجيب: «للبحر؟ ايه لأ، للسان جورج وانت الصادقة» في إشارة إلى خلاف الراحل مع صاحب الفندق الشهير، ثم ينطلق في طريقه تاركاً إياي جامدة كتمثال من الخوف.