13 عائلة تتهجر مرتين. المرة الأولى كانت عام 2006، عندما أغارت طائرات العدو على بيوتها. أما المرة الثانية، فلا تزال فصولها مستمرة إلى الآن، في ظل امتناع خليل صالح، مالك العدد الأكبر من الشقق، عن إعادة البناء


راجانا حمية
علت شجرة التين. كبُرت في المكان الخاطئ. في قلب المدينة الإسمنتية. كل عام، تهوي ثمارها أرضاً، بعد أن تكون قد يبست «على أمها». لا أحد يعرف موسم قطافها أو يهمه ذلك. في ذلك المكان، الذي كان يوماً ما بيوتاً للناس، نبتت الشجرة ومعها شجيرات أخرى أقل طولاً وعمراً. وسط الشجر، تكوّنت «مزبلة»، تكوّمت فيها أكياس نفايات ومفروشات منزلية عتيقة فوق تلّة عالية من الركام الناجم عن حرب مدمرة. وعلى حافة تلك البقعة الممتلئة بأوساخها، نُصب «كونتينر» من الحديد المقوّى ذو استخدامات متعددة: خيمة لإحياء مراسم عاشوراء في شهر «محرّم» الهجري، وفي الأشهر العادية يُستخدم مستودعاً لأدوات البناء.
قبل أن يكون كل ذلك، كانت تلك البقعة مبنى، تقطنه 13 عائلة (6 مالكين و7 مستأجرين). لم يكونوا أغنياء، لكنهم كانوا كادحين وباحثين عن لقمة عيش عصية في كثير من الأحيان. ومع ذلك، كانوا فرحين بأن لهم بيتاً يؤويهم.
عام 2006، طارت الفرحة إلى غير رجعة. أغارت الطائرات الإسرائيلية عليها. ففي أحد أيام العدوان، سمع هؤلاء أن مبناهم في شارع معوّض قد هوى أرضاً. بكوا. لكن، بعدما انتهت الحرب وبدأت عملية إعادة إعمار المباني في الضاحية، عاد إليهم بعض الأمل. لكن، يا «فرحة ما تمّت»، ففي الوقت الذي بدأت به فعلياً عملية الإعمار، بدأت الأخبار تتسرّب: خليل صالح صاحب المبنى أو صاحب أكثرية الشقق في المبنى المدمر، لن يعيد الإعمار. خليل صالح لن يسمح لشركة وعد بالبناء. كثُرت الأخبار. كانت في حينها شائعات، فـ«الريّس» لم يؤكّد الخبر.
خاف سكان المبنى. بدأوا حراكهم. البعض اتجه نحو صالح والآخرون نحو «وعد». لكن، بما أن الرجل «لا بيعطي لا حق ولا باطل»، يقول رامي هاشم، أحد مالكي شقق المبنى، انتظروا.
طال الانتظار، وأخذت المباني كلها ترتفع في الشارع، مكان الدمار الإسرائيلي، باستثناء بناية صالح. مرّت سنة. سنتان. بدأت الأخبار تتسرب «من عند الرجل» بأن لا مال للإعمار، ولا بد من الانتظار أكثر. الجلسات القليلة التي كان يجتمع فيها الرجل، وهو المشغول دائماً، مع بعض الممثلين عن المبنى كان يتأرجح فيها بين رأيين متناقضين تماماً: «ما رح عمّر» أو «رح عمّر».
وبين الرأيين، ضاع السكان. لكن، على ما يبدو، بعد تلك السنوات من المماطلة فإن «خليل صالح لن يبني»، هذا ما يستنتجه الأهالي، متخوفين من أن يكون هدفه شراء شققهم بأسعار منخفضة بعد تيئيسهم، ثم الاستفادة من الفورة العقارية والبيع في منطقة «جديدة» بأسعار مرتفعة. والدليل؟ الكونتينر الذي نُصب فوق الركام.. و«غير الله ما بشيله». كونتينر من حديد «معناتو باقي»، يقول هاشم. وضعه صالح في البداية «لإحياء مراسم الحسين». سكت السكان، وهم في غالبيتهم من الشيعة، احتراماً لصاحب المراسم. لكن، هل يستطيع وضع كونتينر على أرض المبنى، من دون موافقة المالكين في ذلك المبنى، وهم الشركاء في العقار؟ وهل «يقبل الحسين باغتصاب حقوقنا؟ هل يقبل بأن نعيش في الشارع لأن رجلاً قرر حرماننا من بيوتنا؟». تتزاحم الأسئلة في رأس عصام عبد الله الذي يقضي نهاره ونصف ليله في محل بيع الألبسة لتسديد مصاريف البيت الذي استأجره بديلاً من بيته المهدّم.
مر الوقت. تغيرت استعمالات الكونتينر. إذ استعان به صالح لتوضيب أغراض ومستلزمات بناء العقارات التي يعمل بها.
لم يعد الأمر يُطاق. ففي إحدى المرات التي اتصل بها هاشم بصالح يسأله عما وصل إليه الحال، لم يكن من الأخير إلا أن أجابه «أنا محلّك بلجأ للقضاء». رغم ذلك، لم يلجأ لا هاشم ولا أي من سكان المبنى إلى القضاء. لجأوا إلى «وعد»، التي دخلت وسيطاً بين الطرفين. بعد 8 أشهر من الوساطة، قبل صالح بتوقيع اتفاق مع الأهالي، برعاية وعد. ويقضي بتكفل شركته بإعمار المبنى في فترة لا تتجاوز سنة و8 أشهر. في ذلك العقد، لم يرد في حال المخالفة بند جزائي، بسبب رفض صالح لذلك. ومع ذلك، قبل السكان به، «ما الغريق بيتكمش بقشّة»، يقولون.
مرت 8 أشهر على الاتفاق. لم يبد صالح النية بالإعمار، فحتى الركام لم يرفعه لطمأنة الأهالي. عاد الأهالي للمطالبة، وعادت «وعد» للوساطة. لم تُفلح. أرسلت له إنذارين، أحدهما شفهي كأنه لم يكن وثانيهما خطي ردّ عليه صالح بكلمة «مرفوض».
كل شيء مرفوض في روزنامة صالح. حتى اتصالاتنا التي رد عليها بعد لأي، عاد واستنكف عن الرد عليها. لكن، هل مسموح في روزنامة صالح نفسها سفر مراهق إلى البرازيل من أجل إعالة أشقائه الأيتام؟ مسموح قانوناً وشرعاً طرد مالكين من بيوتهم، نزولاً عند رغبة شخص يثبت بفعلته تلك آثار عدوان إسرائيلي بوضع الناس خارج منازلهم؟
لم تكن ندى، إحدى مالكات الشقق في المبنى المدمر، لتملك بيتاً في العاصمة، ولكنها قبل ارتفاع أسعار العقارات، اشترت منزلها الصغير في مبنى صالح بعدما تنازلت عن حقوقها في منزل الضيعة. لم تحسب المرأة أن تصل إلى اليوم الذي تنظر فيه إلى شجرة التين التي حلت مكان بيتها. اليوم، استأجرت المرأة منزلاً آخر، مستعينة بمال برنامج «وعد» للإيواء، الذي يكاد لا يكفيها لتسديد ثلثي إيجار العام الواحد.
حال عصام عبد الله وابنه مازن، لا تبدو أفضل من حال ندى التي اضطرت لإرسال ابنها المراهق إلى الخارج كي يعيلها وأطفالها الصغار.


أرسلت «وعد» لصالح إنذارين، أحدهما شفهي وآخر خطي ردّ عليه بكلمة «مرفوض»

عندما تهدم المنزل في معوض، لم يكن عبدالله يملك مأوى آخر. من هنا، بدأت رحلة البحث عن بيت للإيجار. كان صعباً في ذلك الوقت أن يجد بيتاً بإيجار لا يصدمه، وهو المستأجر القديم الذي كان يدفع في العام مليوناً و113 ألف ليرة. هذه المليون التي لن تستأجر له بيتاً لشهرين. بحث كثيراً علّه يجد بيتاً يستأجره بمال «الإيواء» فقط والبالغ 4 آلاف دولار. لكن، دون جدوى. بعد صولات وجولات، استأجر عبد الله منزلاً لمدة عام مقابل 6600 دولار أميركي. أي بزيادة «نصف مبلغ الإيواء». كل ذلك، لأن «خليل صالح لا يريد إعادة الإعمار».
ولذلك أيضاً سيبقى رامي هاشم في بيوت الإيجار حتى «الله يفرجها». حاول هاشم، «المحروق على رزقه»، مع خليل صالح بطرق كثيرة، لكن دون جدوى. كثيرون طرقوا ذاك الباب وسمعوا أجوبة متناقضة، منها أنه «يريد الإعمار بس يفرجها الله» أو «ما حدا رح يضيع حقه وقتا عمّر بتاخدوا كل شي» أو «ما معي مال، ممكن شوف الأرض أديش بتسوى وبيعها وأعطيكم منها»، يتابع هاشم.
لكن، هل يعلم الرجل أن سعر الأرض لا يكفي لإيفاء أصحاب البيوت الثمن الذي دفعوه مقابل بيوتهم؟ على ما يبدو أنه يعمد «لتيئيسنا كمالكين»، يقول هاشم. أما المستأجرون؟ فهو «يعتبر أنه يملك الشقق أصلاً وبإمكانه إخراجهم حتى بالقضاء».
لكن، لا جواب من «الرب الأعلى»، كما يسمونه ساخرين. وبما أن الأمور وصلت إلى طريق مسدود، باشر السكان بالتحضير لدعوى قضائية على الرجل. جمعوا التواقيع منذ شهرين، وانتظروا. لكنهم حسموا أمرهم الأسبوع الماضي، علّ القضاء يعيد الصواب إلى رأس الرجل فيعودوا إلى بيوتهم.


إلى القضاء سر

بعد أربع سنوات على الحرب وثلاث سنوات على المفاوضات، لم يستطع سكان المبنى المدمر في شارع معوض الوصول إلى حلّ يضمن حقوق الطرفين. ولأن الحل مجهول إلى الآن، اجتمع أول من أمس المستأجرون القدامى في المبنى، وعددهم 7، مع مدير شؤون المالكين الشيخ منير مكي (الصورة) للبحث في الموضوع. ساعة من التشاور، خرج بعدها المستأجرون بقرار اتخذوه هم بالذهاب نحو القضاء، فقد أوضح الشيخ أن «وعد لم تصل بمسعاها إلى حل مع خليل صالح». وفي هذا الإطار، يشير مكي إلى أن «صفة وعد في الموضوع هي صفة الوسيط الإيجابي، أما الدور الذي يجب أن يكون فهو للمالكين والمستأجرين». لكن، ماذا عن الوساطة؟ يجيب مكّي أننا «سنبقى على دورنا كي نتصل إلى حل». ويضيف «لا أستطيع أن أقول إننا سنفعل كذا وكذا، فقط الآن دورنا هو الوساطة، أما الدور الأبرز فهو للسكان، وإن كان أمام القضاء». لكن، ثمة مشكلة، يشير مكي إلى أن اللجوء للقضاء دونه عقبات منها «الوقت الذي قد تستغرقه الدعوى أمام المحاكم اللبنانية».. يعني على «أقطع» من خليل صالح.