ترتفع الأصوات وتُملأ العرائض في طرابلس مطالبة بتغير قرار وزير الثقافة سليم وردة وإعادة بناء مسرح الانجا. وفي هذه الأثناء، تمرر الطلبات وتهدم المباني الأثرية في الميناء بتواطؤ واضح من الجهات المسؤولة


الميناء ــ عبد الكافي الصمد
أقدم مالكو مبنى يفوق عمره المئة سنة على هدمه في مدينة الميناء مخالفين بذلك المخطط التوجيهي للمدينة القديمة الذي أنجز في 2006. وكان المخطط قد حدد عملية البناء في مدينة الميناء بما يتماشى مع المحافظة على تاريخها. فهذا المبنى، السكني والتجاري، يقع في الجزء التاريخي من المدينة الذي يجب المحافظة عليه. وكانت مدينة الميناء قد اشترطت في المخطط التوجيهي أن كل عملية هدم أو بناء لمبنى يعود تاريخه الى ما قبل 1940 يجب أن توافق عليها لجنة "إحياء المنطقة القديمة» المكوّنة من مديرية الآثار، نقابة المهندسين، قسم الترميم في الجامعة اللبنانية، التنظيم المدني ودائرة الهندسة في البلدية. وكان مالكو العقار الجدد قد تقدموا سنة 2009 من البلدية واللجنة بطلبين لهدم المبنى، ورفض كلّ من المجلس البلدي والمديرية العامة للآثار الطلبين. حينها، بدأ التحايل لهدم المبنى "شرعياً» وبتغطية من رئيس البلدية، محمد عيسى. ففي اليوم الأخير من شهر رمضان، قدم هذا الأخير كتاباً إلى اللجنة المذكورة، حمل الرقم 839 /ص، أحاطهم به علماً أن مالكي العقار (إلياس أيوب ورياض غلاييني) "قاموا بتنظيف العقار من الأعشاب والأشجار قدر الإمكان، وبما يسمح بزيارة الجدران الموجودة فيه وتفقّدها، وهم يطلبون تكرّم أعضاء لجنة إحياء المنطقة القديمة في الميناء بزيارة الموقع برفقتهم، للاستنارة برأيهم حول استعمال هذه الجدران». وحدد تاريخ الزيارة ثاني يوم عمل بعد عطلة العيد، أي بتاريخ يصعب خلاله تسليم البريد الرسمي والحصول على تأكيد الزيارة، أضف الى ذلك، أن عيسى أعطى المالكين "موافقة شفهية» على تنظيف المبنى قبل إطلاع اللجنة عليه. يشير عيسى لـ"الأخبار» أنه فوجئ حين اتصل به مفوض شرطة البلدية بعد يومين ليخبره أن "حجارة تتساقط من جدران المبنى، وأن أحدها مائل وقابل للانهيار». فما كان من عيسى إلا "أن بلّغ مالكي المبنى وطلب منهما أن يقوما بما يلزم. لكن، بسبب عطلة العيد لم يفعلا شيئاً، فانهارت جدران المبنى بكاملها، باستثناء زاوية منه».

المبنى، السكني والتجاري، يقع في الجزء التاريخي من المدينة
رواية عيسى تنقصها التفاصيل التي تكشف النقاب عن عملية هدم مخطط لها. فخطاب لجنة السياحة والآثار في البلدية التي يرأسها هاشم الأيوبي لرئيس بلدية الميناء يوضح أنه: "تم تقديم طلب للحصول على رخصة بناء في العقار المذكور إلى لجنة الآثار فرفض الطلب مرتين متتاليتين لأن البناء موجود في منطقة تاريخية مصنفة M2 ولا يجوز تحوير أبنيتها. على أثر ذلك تقدم أصحاب العقار بكتاب لتنظيف الحشائش وافقت عليه الجهات المختصة في البلدية. لكن، وعلى أثر معاينتنا للموقع تبين لنا أن جميع معالم البناء التراثي قد تم هدمها عن بكرة أبيها، وذلك نهار السبت الواقع فيه 11 أيلول الماضي، (ثاني أيام عيد الفطر)، خلافاً لرأي لجنة الآثار، وخلافاً للمرسوم الصادر عن البلدية والذي يرعى شؤون المحافظة على الآثار، الأمر الذي يشكل مخالفة فاضحة للقوانين المرعية الإجراء، وخلافاً لطلب تنظيف العقار من الأعشاب حصراً، وهل إزالة الأعشاب تستدعي دخول جرافة إلى العقار المذكور؟!». وطالبت بـ"وقف جميع الأعمال والرخص المتعلقة بالعقار المذكور، ووضع إشارة على الصحيفة العقارية المذكورة، وفتح تحقيق بالموضوع وإجراء المقتضى».
ويحاول عيسى التملّص من المسؤولية قائلاً إن "مالكي المبنى اتبعوا الأصول القانونية في طلبهما والاستئناس برأي اللجنة، نافياً ما يشاع في الميناء إذ يقال "بأن عملية هدم المبنى نفذت في حين غفلة عشية عيد الفطر، يقف وراءها أحد النافذين في بلدية الميناء، الذي عقد صفقة تقدر بأكثر من مليون دولار أميركي تمثلت في شرائه الطابقين الأرضي والأول من المبنى الذي سيشيّد لاحقاً في العقار!
وتقول الدكتورة راوية مجذوب، عضو لجنة إحياء المنطقة القديمة في الميناء ومديرة مركز الدراسات العليا المتخصصة بالترميم التابع للجامعة اللبنانية، إن "المبنى الذي هدم يعود تاريخه للقرن التاسع عشر، وهو كان مؤلفاً من طابقين، السفلي للتجارة، والأول للسكن. وكان يتميز بخصائص معمارية من غرف معقودة، ومصارف مياه حجرية... وكان يمكن ترميمه بسهولة. وأخطر ما في هدمه هو تغير معالم المدينة القديمة بدخول الأبنية الشاهقة عليها. وأنهت كلامها قائلة: «إذا كان كل مالك مبنى أثري يريد هدمه لاستبداله ببناية، ولن تشكل القوانين والقرارات أي رادع، فعندها على آثارنا وتراثنا السلام».