المعارض والمهرجانات في كسروان كثيرة في الصيف. أهل الضيع يُشغَلون بالتنظيم والإعداد، من غزير حتى جونية في هذه المناسبة التي تبث الحياة في البلدات الكسروانية. من أشهر المعارض «ليالي سوق الزوق العتيق».


ريتا بولس شهوان
«الحق على الشوب، مش على السياسة هالسنة»، بهذه العبارة علّل أحد عناصر شرطة بلدية زوق مكايل الإقبال الضعيف على معرض الحرف والأعمال اليدوية في سوق الزوق العتيق، الذي تنظمه البلدية عادة في فصل الصيف والذي اشتهرت به بعد ترميم البلدية محالّ الشارع الأثرية التي لا يقل عمرها عن 300 عام. بعض أهالي البلدة انتظروا طوال السنة قدوم الصيف للاسترزاق. أم إيلي مثلاً، استأجرت أحد محالّ السوق لعشرة أيام، هي مدة المعرض الذي ينتهي الأحد المقبل. تبيع أم إيلي بضاعة محلها «يلي مش ماشي» على حد قولها، الكائن في الزوق أيضاً. أم إيلي، هكذا أرادت أن تسمي نفسها، باعتبار أن ابنها «تغرّب إلى أفريقيا بسبب القلة والتعتير»، لضمان دفع ديون أقساط المدارس لأولاده الثلاثة. تنتظر أم إيلي «زبوناً من غيمة»، لتبيعه قطعة ثياب، وتخبره قصّة ابنها الوحيد، فقد يحنّ قلبه ويشتري. وبرغم قصتها المؤثرة، إلا أن الكساد يبدو أكثر تأثيراً. المحل المجاور لمحلها وضعه مختلف. طوني حرب، استأجر محله أيضاً للمعرض. يستقبل روّاد السوق بنكتة، فتطول فترة وجود الزبون بين «حراتيقه»، فيستفيد طوني ليخبره عن محله الأساسي في جونية. يشدد طوني على أن وجوده في المعرض لتسويق اسم محله الأساسي «منتعرف على ناس جداد ليصيرو زبونات». طابع السوق الأثري شجّع عدداً من الفنانين على الاستثمار في هذا السوق صيفاً وشتاءً على حد قول الرسام إيلي زريق. تدخل إحدى النساء طالبة «رسمة بيروت القديمة» التي اشتهر إيلي ببيعها هنا. تحتار المرأة للحظات ثم تحزم أمرها: «اشترينا من عندك سنة الماضية رسمة الضيعة، هالسنة مناخد بيروت». موقع إيلي الثابت في السوق يوحي إليه بأفكار كثيرة، ولا يوفّر له لقمة العيش. والسبب أنه «مش عم ينشغل مظبوط لتسويق السوق. في بحر السنة معظم المحالّ مقفلة ليلاً ونهاراً، وفي فصل الصيف إدارة المعرض تفاجئنا بموعد افتتاح المعرض». تنقسم محالّ معرض السوق العتيق إلى مُستأجَر لعشرة أيام بسبب المعرض، وإلى مُستأجَر دائماً. بعض الروّاد الموزعين على المطاعم والمحالّ الصغيرة لا يختلفون بالرأي كثيراً عن أصحاب المحالّ؛ فبالنسبة إلى منصور صايغ وزوجته (من سكان الزوق) «هالمرة الحركة أخف بكتير. الحق على الإدارة. ما شي جديد، أكل وشرب بس!» على حد قولهما. منصور غير مهتم بالمعرض الحرفي في الجزء السفلي من سوق الزوق، ويفضل أن يكون المعرض على مثال سوق جبيل، «هونيك في موسيقى وحياة». تكمل زوجته الحديث، لتخفف من حدة النقد «المعرض مش عاطل للسياح». أما لسكان الضيعة، فالمشهد لم يتغيّر. نظرة السياح مختلفة بعض الشيء عن


هالمرة الحركة أخف بكتير، وما في شي جديد أكل وشرب بس
نظرة اللبنانيين، فسيباستيان كزافيي، وهو سائح فرنسي، قال إنه يحب ضجيج الحياة في الشارع الأثري. يبدو أن حلوى المرصبان ذات الأصل الفارسي قد حازت انتباهه، وأكثر ما أعجبه أنها تحمل اسم راهبة «مير سابين»، التي كانت تصنّعه وتزخرفه على شكل وردة. يلاحظ سيباستيان أن بعض المنتَجات غير لبنانية، وخصوصاً ما يسمى تذكارات، وقد تكون تركية على حد قوله. يضحك ويقول: «في فرنسا حالنا ليست أفضل، فـ80% من التذكارات، من برج إيفل، إلى بلاكات أسماء الشوارع، إلى نسخ اللوحات الشهيرة التي تخلد اسم فرنسا، كلها من صنع الصين. «حالتكم أحسن من حالتنا، أقله حافظ اللبنانيون على حرفة النول، الحرير والطرق» يقول.
في البيت الحرفي الذي يتعدى عمره 400 عام، تجلس حياة الآتية من بعلبك لبيع منتجاتها من «طرق» العباءات. تشرح لنا حرفتها، قائلة إن «الطرق عبارة عن قطبة من 4 غرزات بخيط من الفضة أو الذهب، على القماش. نشتري الإبرة من عند الصايغ». جارتها، فاطمة طرطوس التي اتخذت من الدق على ورق الذهب حرفةً لها تقول: «العالم بلاقو شغلنا صعب. بس نحنا منشوفو هيّن كتير». عبير جبيلي مساعدة رئيس البلدية والمنظمة لهذا المعرض شرحت لنا أن هدف المعرض هو إبراز التراث الحرفي والفنون اللبنانية، لذا يسمى المعرض «ليالي السوق القديم». فالمواطن «مش مجبور يشتري، بس المهم يتعرف إلى الحرفة؛ لأنو هيدا من تاريخنا».