بعد تأخّر بسبب الأمطار الغزيرة التي اجتاحت حلبا وجوارها افتُتح أمس معرض «عيش عكار» للمنتجات الزراعية والحرفية العكارية. ويضم المعرض، الذي يستمر حتى مساء الأحد، 94 مؤسسة لصغار المنتجين العكاريّين، وتتخلّل المعرض عروض فنية ومسرحية لفرق عكارية


روبير عبد الله
«عوِّد المعَوّد واحرم المحروم». إذ انتظر صغار المنتجين افتتاح معرض «عيش عكار» أياماً طويلة، كان أشقاها يوم الافتتاح، فعمل هؤلاء طوال النهار تحت لهيب شمس حارقة، لكن نصف ساعة من الأمطار الغزيرة التي هطلت فجأةً، بدّدت تعبهم هباءً منثوراً. فتأجّل موعد الافتتاح إلى أمس.
توقّف المطر إذاً، وعادت الحركة تدبّ من جديد في أرجاء المعرض/ المهرجان، كما وُفِّق في وصفه الناشطون في منظمة الإغاثة الدولية، الجهة المشرفة على التنظيم. فبرغم الفوضى العارمة التي أحدثتها الأمطار، وبرغم التخريب الذي طاول المنتجات المعروضة، وخصوصاً الأشغال اليدوية التي كان على أصحابها تجفيفها وكيّها قبل إعادتها الى المعرض، والصور التي أُتلفت، إضافةً إلى المأكولات، كانت حركة الإقبال من مختلف المناطق العكارية تظاهرة اجتماعية وإنتاجية لم تشهد عكار لها مثيلاً.
هكذا، تنوّعت المعروضات، التي أعاد أصحابها ترتيبها و«اخترعوا بأساليبهم الخاصة فنوناً متعددة للمحافظة على أغراضهم» كما قالت مسؤولة في منظمة الإغاثة الدولية، من قبيل وضع أغطية من النايلون على سطوح الخيم «أو إعادة توزيع المنتجات تحت الطاولات، أو من خلال تبادل المساعدة «العونة» في ما بينهم، وهي ظاهرة ما زال العكاريون يتمسكون بها. وفي المقابل فرغت زوايا أخرى من محتوياتها، فأصبحت بعد عاصفة الأمطار أثراً بعد عين حرفياً، أي لم يبقَ إلا الأسماء التي تشير إلى ما كان موجوداً، لكنها تشير إلى التنوّع وتعدّد المناطق التي جاء منها المنتجون. كأنّ كل ذلك لم يكن كافياً، فقد أدّت عاصفة أخرى، ولكن من النوع المعنوي، إلى قطع الطريق على الزوّار، بعدما قطع محتجون على انقطاع التيار الكهربائي والتقنين المتزايد، الطريق في العبدة والمنية ودير عمار. ولكي يزداد الأمر سوءاً انقطع التيار الكهربائي، وسادت العتمة أرجاء المعرض بسبب إراحة المولّدات عن العمل مدة نصف ساعة أسهمت في كسر زخم الافتتاح، وتبديد همة الزوار، الذين كانوا يرغبون في قضاء السهرة بين معارفهم وأصدقاء لهم كان المعرض مناسبة لتجديد اللقاء والتواصل في ما بينهم.
ومع ذلك، فقد كان في الافتتاح أمس زوّار كثر، وراح الناس يجولون بين الخيم للتعرف إلى المنتجات العكارية. وفي المقابل كان المنتجون يتفنّون في إظهار مزايا منتجاتهم وأصالتها، ويشرحون للزوّار طرق التمييز بين الأصيل والمزيّف. فيعرض جوزف يوسف من بلدة بقرزلا المشهورة بزراعة الزيتون قناني الزيت المعصور بواسطة معصرته التي تعمل على «الحجر البارد»، الذي يمنع الزيت من التأكسد عندما يُعصر في المعاصر التي تعمل على تسخين الزيت. يعلّم يوسف الزبائن التدقيق في نوع الزيت، فيقلب القنينة رأساً على عقب، فإن خلا أسفلها من الرواسب، يكون ذلك إشارة إلى نظافة الزيت وجودته. ويقول المزارع إنّ الطريقة التقليدية في سحب الزيت من عصير الزيتون بعد أن يطفو على السطح تؤدّي إلى بعض الخسائر في كمية الزيت، لكنها الطريقة الوحيدة التي تضمن خلوّه من الرواسب المضرّة. ينتج يوسف زيت الخوابي ويزوّد بها أفضل المطاعم في بيروت وجبل لبنان. لكنه يأمل من خلال عرض مُنتجه على الجمهور العكاري أن يتخلّص من صعوبة التسويق في المناطق البعيدة من جهة، وأن يوفّر للعكاريين منتجاً جيداً من جهة أخرى.
أما علي قمر الدين، من بلدة مشمش، فيأمل بعدما اضطر إلى مغادرة بلدته في أعالي جرد عكار، تسويق منتجاته من الشتول والنصوب المؤصّلة. قمر الدين سكن في برج العرب على الخط الساحلي لأن الإنتاج الزراعي تراجع في مشمش، بسبب كلفة الإنتاج وصعوبة التسويق، ومسافة النقل إلى سوق الخضار في طرابلس، حيث تتحوّل البضاعة عندما تصل إلى شيء لا يصلح إلا «للكبّ». لا يسعى قمر الدين وراء مكسب سريع من خلال البيع في المعرض، بل يريد دفع الناس إلى التمييز بين الحسن والسيّئ، وهي الطريقة الوحيدة في رأيه لمواجهة المنافسة الأجنبية. فالمواطن بنظره يبحث عن بضاعة أرخص على حساب النوعية، وهذا ما توفّره المنتجات التي تأتي من الخارج، محمّلاً المسؤولية عن ذلك للأجهزة الرقابية في وزارات الداخلية والصحة والزراعة والبيئة. وإذ يشكر قمر الدين الجهات المنظمة والداعمة، فإنّه يأمل أن تكون المساعدات ضمن خطة متكاملة، فـ«ما نفع تأمين برّاد للورود، إذا لم تؤمّن مقوّمات إنتاج الورد»، كما يأمل تحسين نوعية الأشجار المثمرة مثل التفاح، حتى لا يذهب معظم الموسم بأرخص الأسعار إلى مصانع عصير التفاح، وبالتالي لماذا لا تكون مصانع لعصير التفاح مثلاً في عكار بدلاً من براد لإنتاج الورد؟
وفي خيمة جمعية الرابطة النسائية الخيرية تجلس سعدية غنيم، المصرية الأصل، التي مضى على وجودها في عكار 40 سنة دون أن تحصل على الجنسية اللبنانية. ومع ذلك تتصرف سعدية كأنها في بلدها، فهي تعمل في أول ميتم أنشئ في عكار عام 1945، وتقول إنّ «الوضع في عكار يحتاج إلى شغل كتير». وإلى جانب الميتم تهتم الجمعية بتدريب البنات والمتسرّبات من المدارس من أجل «تمكين المرأة وإكسابها مهارات لتكون عنصراً فاعلاً في المجتمع». وتعرض سعدية منتجات المشروع من اللحف والمفارش، وهي تشكو من قلّة مساندة «الجمعيات الفاعلة على الأرض، فهناك مؤسسات تأخذ الهبات بسهولة، ونحن نتكبّد المشقات لأجل بعض المساعدات، علماً أن جمعيّتنا لا تبغي الربح إذ يعود ريعها إلى دار الأيتام».
لا يقتصر معرض «عيش عكار» على المنتجات الزراعية والحرفية، بل يتخلّله إنتاج ثقافي وفنيّ وعروض غنائية ومسرحية تستمر حتى مساء الأحد.



نقص في الموارد

تشرف على فعّاليات المعرض منظمة الإغاثة الدولية من ضمن مشروع بلديات، الذي يشمل 75 بلدية عكارية، وبالتنسيق أيضاً مع أفراد ولجان من المجتمع المحلي. ولئن كان حريّاً بالمجالس البلدية المنتخبة القيام بأنشطة مماثلة، إلّا أنها، حسب رئيس بلدية حلبا سعيد الحلبي، تعاني نقصاً حاداً في مواردها التي بالكاد تكفي لـتأدية بعض المهمات الروتينية التقليدية، وخصوصاً بلدية حلبا، التي لا تتجاوز الاعتمادات التي تحصل عليها تلك المخصصة لأصغر القرى الريفية، فكيف الحال بالنسبة إلى بلدة حلبا المقرّر لها أن تكون مركز محافظة عكار.