عمر نشّابة

لو كنتُ إسرائيلياً لقتلتُ الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005 خلال تصاعد التوتر بينه وبين شركائه السوريين. ولكنتُ على يقين من أن المحكمة الدولية لن تجرؤ على الاشتباه بي واتهامي بارتكاب الجريمة. لو كنتُ إسرائيلياً لشعرتُ بالاطمئنان خلال السنين الماضية، عشية كلّ مهرجان أو مناسبة علا فيها اتهام سوريا وحلفائها باغتيال الحريري.
لو كنتُ إسرائيلياً لكنتُ اليوم مطمئناً، فالبعض في لبنان أهدى إليّ ما لم أكن لأحلم به: محكمة دولية لإدانة حزب الله، محصّنة بشعار العدالة ومدعومة سعودياً ومصرياً.
لو كنتُ إسرائيلياً لسعيتُ لدى جميع أصدقائي وحلفائي الأوروبيين والأميركيين إلى المطالبة، ودفع فئة من اللبنانيين إلى المطالبة بتدخل دولي لمحاسبة القَتلة أياً كانوا. فالتاريخ الحديث يؤكد أن القضاء الدولي عاجز عن اتهام إسرائيل وإدانتها. والدليل على ذلك آلاف الأطفال والنساء والشيوخ الذين قتلهم الجيش الإسرائيلي من دون أن يجرؤ مجلس الأمن على إنشاء محكمة دولية. الدليل على ذلك مئات المستشفيات والإسعافات ومستودعات الغذاء والدواء التي دمّرها الإسرائيلي من دون حساب. الدليل على ذلك اغتصاب الأرض وبناء المستعمرات وجدران العزل العنصري من دون أن يحرّك «المجتمع الدولي» ساكناً. الدليل على ذلك لجنة تقصّي حقائق في مجازر جنين ولجنة دولية أخرى لمجازر غزّة رميت تقاريرها في مزبلة مجلس الأمن الدولي. الدليل على ذلك استهداف الصحافيين، وكان آخرهم الزميل العزيز عساف أبو رحّال، ولن تستجيب الأمم المتحدة لنداء ذويه ورفاقه بحقّهم في الاقتصاص من القتلة. فما يحقّ للبعض لا يحقّ للآخرين. هكذا قرّرت «الشرعية الدولية».
لو كنتُ إسرائيلياً لكنتُ لا أزال مطمئناً اليوم رغم زيارات الرئيس سعد الحريري لدمشق واعتذارات الزعيم وليد جنبلاط وانكفاء خطابات 14 آذار، فلا عودة عن تسليم السيادة للعبة الأمم. لو كنتُ إسرائيلياً لابتسمتُ كلّ مرّة كرّرت فيها بعض قوى «لبنان أولاً» بصوت يستجدي البراءة: «لا يمكننا أن نفعل شيئاً اليوم؛ فالقضية باتت بيد الشرعية الدولية». ويتذاكى البعض الآخر ببراعة، محاولاً تمويه الخديعة الدولية.
لو كنتُ إسرائيلياً، لكان أبسط ما أطلبه اليوم من اللبنانيين عدم استباق صدور القرار الاتهامي وانتظار انطلاق الاعتداء القضائي الدولي على شباب وهبوا أعمارهم لخدمة لبنان ولصون كرامته.
لو كنتُ إسرائيلياً لقتلتُ رفيق الحريري، ولو سبقني أحد إلى قتله، لكنتُ قد علمت به. أفلا يُستبعد أن تتجاهل أجهزة استخبارات إسرائيلية تتمتع بأحدث الإمكانات وأكثرها تطوّراً في العالم، جريمة هدّدت السلم والأمن الدوليين بحسب مجلس الأمن الدولي؟
لو كنتُ إسرائيلياً لكنتُ مطمئناً؛ فدانيال بلمار لن يجرؤ، حتى على سؤالي عمّا أعرفه. لو كنتُ إسرائيلياً لما جرؤ بلمار على مسّ شعرة في مفرقي. وإذا فعل، فمصير تحقيقاته لن يختلف عن مصير تحقيقات ريشارد غولدستون في جرائم غزّة (غولدستون كان أوّل مدعٍ عام في المحكمة الدولية ليوغوسلافيا السابقة التي رأسها أنطونيو كاسيزي وترأس لاحقاً بعثة تقصّي الحقائق في مجازر غزّة).
لو كنتُ إسرائيلياً لكنتُ مطمئناً. لكن مهلاً... لن يدوم ذلك طويلاً، وللحديث صلة.