مؤشرات الإعداد لمراجعة سجل لبنان في حقوق الإنسان التي ستجري في الأمم المتحدة تدفع إلى استنتاج أن المتحمسين كثر، لكن لا أحد منهم أدى دوره. الحكومة تُعدّ تقريرها بعيداً عن الأضواء، فيما المطلوب مشاورات واسعة. أما منظمات المجتمع المدني، فاكتفت بكتابة تقارير قد تصل منها بضعة أسطر


بسام القنطار
العاشرة من صباح الأربعاء 10 تشرين الثاني 2010 المقبل، سيقف لبنان أمام امتحانه الأول في «مادة حقوق الإنسان». حددت قاعة الامتحان في مقر الأمم المتحدة في جنيف التي ستستضيف الدورة التاسعة للمراجعة الدورية الشاملة لحقوق الإنسان من 1 لغاية 12 تشرين الثاني المقبل. سيقف لبنان في صف طويل من 16 دولة، أبرزها الولايات المتحدة الأميركية، مسجلة على جدول أعمال الدورة لمراجعة حالة حقوق الإنسان فيها. تزامن إطلاق آلية المراجعة الدورية الشاملة، مع إنشاء الأمم المتحدة «مجلس حقوق الإنسان» في دورة آذار عام 2006، حيث صُدِّق على قرار ينص على أن هذه المراجعة تعتمد على الحوار ومشاركة الحكومات المعنية الكاملة بما يتفق مع احتياجاتها. وحرص القرار أيضاً على أن هذه الآلية يجب أن تكمل عمل لجان المعاهدات الدولية من دون الوقوع في الازدواجية.
ورغم تعويل البعض على دور الجمعيات المعنية بحقوق الإنسان في تفعيل هذه الآلية، عبر تقديم التقارير إلى مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، ومشاركتها في الحوار الذي يجري أثناء الجلسات، إلا أنّه معلوم أن المراجعة الدورية الشاملة هي عملية حكومية في الأساس، وللدولة المعنية بالمراجعة حق قبول أو رفض التوصيات المقدمة من الحكومات الأخرى خلال عملية مراجعة سجلها في حقوق الإنسان.
في 12 نيسان الماضي انتهت مهلة قبول تقارير الجمعيات اللبنانية المعنية التي تهتم بهذا الموضوع. هذه الأخيرة لا تمثّل في المناسبة 30 بالمئة من الجمعيات التي تتلقى تمويلاً بملايين الدولارات لمشاريع تتعلق بحقوق الإنسان. معظم التمويل يأتي من جهتين: الاتحاد الأوروبي ووكالة التنمية الأميركية.
تمر المراجعة الدورية بعدة مراحل: أولها التوثيق. حيث يُعتمد رسمياً على المعلومات المقدمة كتابياً إلى الأمم المتحدة من ثلاثة مصادر: التقرير الحكومي، تقرير منظمات الأمم المتحدة المعنية وتقرير المنظمات غير الحكومية.

تقارير الوكالات المعنية بحقوق الإنسان جاءت عامة وينقصها التحديث، وهي تكرر معلومات
مصدر مطّلع في المفوضية السامية لحقوق الإنسان في جنيف أكد لـ«الأخبار» أن مسار التوثيق المتعلق بمراجعة لبنان، لا يزال في بدايته، حيث أتمت الأمم المتحدة تسلم التقارير غير الحكومية. وستقوم المفوضية بتلخيص هذه التقارير ودمجها وترتيبها وفق عناوين محددة بما لا يتجاوز عشر صفحات. المفارقة أن الجمعيات المعنية ترى أنها بمجرد أن تقدمت إلى المفوضية بتقاريرها تكون قد أتمت واجباتها! إلا أن الأمم المتحدة تطلب عادة من الجمعيات أن تقدم نسخاً عن هذه التقارير لسفارات الدول الموجودة في البلد المعني، كي تقوم بدورها بإرسالها إلى بلدانها والاطلاع عليها. ولقد استطلعت «الأخبار» أكثر من جمعية لبنانية معنية، فتبين أنها لم تقم بهذه المهمة.
ويلفت المصدر إلى أن المفوضية تلقت أيضاً تقارير وكالات الأمم المتحدة المعنية، ولم يخف انزعاجه من أن تقارير الوكالات المعنية بحقوق الإنسان جاءت عامة وينقصها التحديث، وهي تكرر معلومات سابقة سبق أن وُثّقت في تقارير صادرة عنها.
في المقابل، يعمل فريق مختص في وزارة الخارجية اللبنانية على صوغ التقرير الحكومي الذي لن تكون الحكومة اللبنانية ملزمة بتقديمه قبل فترة محددة من انعقاد الجلسة. ومن المعلوم أن وزارة الخارجية سبق أن طلبت من جميع الوزارات المعنية أن ترسل لها جميع المعلومات المتعلقة بنطاق عملها، التي تغطي قضايا حقوق الإنسان، مع التركيز على تنفيذ الالتزامات الدولية والتشريع الوطني، إضافة إلى الالتزامات الاختيارية المتعلقة بحقوق الإنسان. ورغم أن القرار الرقم 5/1 ينص على ضرورة إجراء الحكومة اللبنانية عملية تشاور واسعة النطاق مع منظمات المجتمع المدني قبل صوغ التقرير الحكومي الذي يقع في 20 صفحة، إلا أن هذا الأمر لم يحصل بعد.
وبالرغم من أن الفرصة متاحة لوزارة الخارجية، والوزير علي الشامي تحديداً، للاستفادة من المراجعة الشاملة لتظهير إنجاز دبلوماسي مهم، يبدو أن المطلوب أن يبقى الدور الإداري والسياسي لوزارة للخارجية وفق الخط البياني المرسوم منذ اتفاق الطائف. ففي دول مثل البحرين، أنشأت الحكومة موقعاً إلكترونياً خاصاً للمراجعة الدورية الشاملة الخاصة بها، حيث يمكن الاطلاع على المسار وعلى التقارير التي قدمت إضافة إلى التفاعل وطرح الأسئلة مباشرة. أما في لبنان، فمعروف أن وزارة الخارجية تفتقر إلى وجود موقع إلكتروني أصلاً، رغم أن الكفاءات الموجودة عالية جداً مقارنةً بباقي الوزارات.
المرحلة الثانية في آلية المراجعة ستكون في جلسة 10 تشرين الثاني، حيث سيخصص للحكومة اللبنانية جلسة استماع علنية يفترض أن يحضرها ممثلون عن مختلف الوزارات. ولم يعرف بعد إذا كان الوفد اللبناني سيكون برئاسة وزير الخارجية، علماً بأنّ من المرجح حضور أكثر من وزير في عداد الوفد. ويعتمد الحوار الذي سيجري في هذه الجلسة على التقارير الثلاثة التي ذُكرت، وعلى تقديم رئيس الوفد اللبناني لعرض شفوي. ويقتصر حق الكلمة في هذه الجلسة على الدول الأعضاء والمراقبين ذات الصفة الخاصة، دون الجمعيات المدنية. لكن المتابع لجلسات استماع سابقة يكتشف أن المنظمات غير الحكومية قد وجدت طريقها للتأثير من خلال اجتماع ممثليها مع دبلوماسيي بعثات الدول في جنيف، وتسليمهم أسئلة وتوصيات، وطلب طرحها على الدولة المعنية. في المقابل، برز في الدورات السابقة التعامل الانتقائي لبعض الدول. فهذه الأخيرة اعتمدت «أسلوب» امتداح الدول المتحالفة معها على نحو مفرط، فيما وجهت سهامها إلى الدول المتخاصمة معها. نموذج إيران مقابل الولايات المتحدة ومجموعة الدول الأوروبية يحضر بقوة في هذه الحالة.
بعد جلسة الحوار، ستُعقد في 12 تشرين الثاني جلسة للتصديق على التقرير المبدئي وقبول التوصيات التي نتجت من الحوار أو رفضها. اللافت أن التقرير النهائي تتولى صوغه لجنة ثلاثية منتخبة بمشاركة البعثة اللبنانية ومساعدة السكريتاريا، كذلك فإن قبول التوصيات أو رفضها يمكن أن يحصل في هذه الجلسة أو في مرحلة تقويم التقرير، التي ستكون في الدورة العادية الـ15 لمجلس حقوق الإنسان، التي ستعقد في آذار عام 2011. ويمكن جمعيات حقوق الإنسان أن تطلب الكلمة في هذه الجلسة، قبل إقرار التقرير الختامي.
إن استعادة بعض المراجعات السابقة، تقود إلى استنتاج أن أهمية الموضوع تكمن في أن القضايا التي تصنف داخلية باتت تطرح علناً في الأمم المتحدة؛ فموضوع إلغاء عقوبة الإعدام بات محسوماً على المستوى الدولي، وليس للبنان أي قدرة على تبرير عدم إلغائه. أما ربط الحقوق المدنية للاجئين الفلسطينين بموضوع الديموغرافيا والتوطين، فهو بدوره أحجية دولية سيصعب على المدافعين عن حقوق الإنسان في جنيف، فك رموزها.


المؤسسة الوطنية

بالتزامن مع مرحلة صوغ التقرير الحكومي عن حقوق الإنسان، يُعَدّ بعيداً عن الأضواء مشروع في منتهى الأهمية، يهدف إلى إنشاء المؤسسة الوطنية اللبنانية لحقوق الإنسان. ومن أبرز العقبات التي تواجه عمل هذه المؤسسات التي يتراوح تعريفها ودورها بين بلد وآخر، قدرتها على الاستقلالية المالية. لكن أهمية إنشائها تكمن في القدرة على فتح إمكانات للحوار بين منظمات المجتمع المدني والحكومة. وليس معلوماً بعد، سبب السرية في الإعداد لهذه المؤسسة، التي حصلت «الأخبار» على مسوّدة مرسوم إنشائها.
وبالمقارنة مع تجربة إنشاء المجلس الاقتصادي الاجتماعي وتعطيله منذ سنوات، رغم أنه يكتسب شرعية دستورية، إضافة إلى تعطيل ما اصطُلح على تسميته «وسيط الجمهورية»، تصبح فكرة إنشاء مؤسسة وطنية لحقوق الإنسان في لبنان، قبل موعد المراجعة الشاملة في تشرين الثاني المقبل، حلماً لن يكون قابلاً للتطبيق، وهي تحتاج إلى آليات تشاور أوسع بكثير مما يجري حالياً، إضافة إلى إدخالها طبعاً في المحاصصة الطائفية والمذهبية.